سورة النساء | حـ 603 | 19 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •بيّن الله تعالى في سورة النساء حكماً مهماً يتعلق بعلاقة الرجل والمرأة، إذ أمر المؤمنين بعدم وراثة النساء كرهاً كما كان يحدث في الجاهلية.
- •أعطى الله للرجل القوامة ومسؤولية رعاية الأسرة والإنفاق، وجعل للمرأة نصيباً في الميراث بعد أن كانت لا ترث.
- •ما زال بعض المسلمين يتشبهون بأهل الجاهلية فيظلمون النساء في حقوقهن الميراثية بحجة الحفاظ على الأملاك من الانتقال لعائلة أخرى.
- •حذر القرآن الرجال من أكل حقوق النساء بأي وجه كان، فلا يصح الادعاء بأن الإنفاق على المرأة يسقط حقها في الميراث.
- •نهى الله عن عضل النساء وإيذائهن وممارسة الضغط النفسي عليهن لإجبارهن على التنازل عن حقوقهن المالية.
- •إذا التزم الرجل بمؤخر صداق محدد في عقد الزواج، وجب عليه الوفاء به ولا يحل له إيذاء زوجته لأخذ بعض ما آتاها.
مقدمة في سورة النساء ونقل الناس من الجاهلية إلى الإسلام
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ينقل الناس من عصر الجاهلية إلى عصر الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة، ومن علاقة اجتماعية متهرئة بين الرجل والمرأة عرفها النظام الروماني والنظام الصيني والنظام الفرعوني، وبين نظام جديد يأمر الله به العالمين ويؤسس به علاقة اجتماعية راقية.
يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يكلم أهل ذلك العصر ومن بعدهم إلى يوم الدين:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا ٱلنِّسَآءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19]
تحريم ظلم النساء في الميراث بعد إعطاء القوامة للرجل وإشراك المرأة في الإرث
إذن فهذه أول خصلة [في هذه الآية]؛ أن الله سبحانه وتعالى بعدما أعطى القوامة للرجل وأعطى له مسؤولية الرعاية والعناية بالأسرة، وأوجب عليه الإنفاق، وأشرك المرأة في الميراث بعد أن كانت لا ترث، وأوجد لها أنصبة وفروضًا معينة بعد أن لم تكن كذلك، أمر الرجال بألا يظلموا النساء وألا يرثوا النساء كرهًا.
وهذه المصيبة كانت في الجاهلية، لكنها ما زالت عند أقوام من المسلمين يتشبهون بإخوانهم المشركين في الجاهلية. فهؤلاء ليس لهم من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه، يعني واقفون هكذا على الاسم فقط، بالاسم فقط، وإنما من الخارج رخام ومن الداخل سخام، من الخارج مظهرًا جميلًا ومن الداخل خبث لا يعلمه إلا الله.
حرمان النساء من الميراث بحجة عدم ذهاب الأرض للغريب من عصبية الجاهلية
فتجد أحدهم يكره النساء ولا يعطيهن حقوقهن في الميراث.
لماذا [يمنعون النساء من الميراث]؟ يقولون: لا تذهب الأرض للغريب! هذا قبيح، هذا لا يرضي الله، وهذا أمر فيه عصبية الجاهلية.
وقد نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عصبية الجاهلية، وهو الرحمة المهداة المسداة من رب العالمين للعالمين، صلى الله عليه وسلم.
النداء بصفة الإيمان للتذكير بحرمة أخذ حقوق النساء بأي وجه كان
ولذلك نادانا [الله سبحانه وتعالى] بصفة الإيمان؛ لأنه يذكرنا بذلك الإيمان وأنه ينبغي أن يمنعنا من تلك المعصية الكبيرة والبلية العظيمة، وهو أن نأخذ حقوق النساء بأي دعوى كانت.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ [النساء: 19]
فكلمة «لا يحل لكم» تعني بأي وجه كان، لا يحل لكم؛ لأن النفي عندما يدخل على الفعل فإنه يدخل في صورة وكأنها صورة عامة. «لا يحل» يعني لا يحل لكم بأي وجه كان أن ترثوا النساء كرهًا غصبًا عنهن.
ظلم الأخ لأخته في الميراث بحجة الإنفاق عليها وبيان حكم ذلك
وكم من عائلات كثيرة ظُلمت فيها المرأة وأُخذ حقها تحت عنوان أن الأخ هو الذي ينفق عليها، فيظلم أخته وهي في أمس الحاجة إلى ميراثها، والإنفاق عليها واجب عليه.
وإذا لم يكن [الإنفاق] تحت عنوان الدَّين فيكون تبرعًا؛ أي عندما ينفق شخص على آخر، على أخيه، على أخته، ثم لا يُفهمهم أن هذا دَين في ذمتهم، فيصبح تبرعًا. فلا يأتي بعد ذلك ويقول: لقد أنفقت عليهم حياتي كلها!
حسنًا، أنت أنفقت ألفًا والميراث بمليون، ربما أنفقت ألفًا والميراث ألفان، ربما أنفقت ألفًا والميراث خمسمائة. فإذا كنت أنفقت ألفًا وتريدها مرة أخرى فيجب أن تُقيَّد ونتحاسب بما يرضي الله.
تحريم أخذ حق الأخ أو الأخت في الميراث بأي حجة كانت وخاصة النساء
ولكن لا يجوز أن تدّعي عندما تنفق أن لك الحق في أن تأخذ من أخيك أو أختك أي شيء، فما بالك بالنساء وهن ضعيفات الجانب في هذا المقام!
فإذن لا يحل بأي وجه كان: لا تحت وجه أنني صرفت وأنفقت، ولا تحت وجه أن العقار لا يذهب إلى العائلة الأخرى [عائلة زوجها]؛ فعندما تموت [المرأة] سيرث زوجها وأولادها، وهؤلاء الأولاد من ناحية أخرى. ولا يجوز من أي جانب كان أن نتحايل على النساء ونظلمهن ونأخذ منهن هذا الميراث.
معنى العضل وتضييق الرجل على المرأة لإجبارها على التنازل عن حقوقها
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: 19]
فنحن ما زلنا مستمرون في [بيان] العلاقة بين الرجل والمرأة. يقول لنا [الله سبحانه وتعالى]: ماذا نفعل؟ فيقول [للرجل]: كن رجلًا مهذبًا تقيًّا، أعطِ الحق للمرأة في الميراث.
وبعد ذلك [يأتي مثال]: تزوجت واحدة، ولما جئت أتزوج قال لي أبوها: يا بني، نريد مؤخر الصداق أن يكون خمسمائة ألف جنيه. وافقت وقلت: طيب، حسنًا، طيب يكون، طيب يكون. أصبحت في ذمتي الخمسمائة ألف جنيه.
لا يأتيني أحد يقول لي: هذه لا تساوي إلا عشرة، طيب ولماذا وافقت؟ خداعًا؟ لا نعرف الخداع. كذبًا؟ لا نعرف الكذب. دهاءً؟ لا نعرف الدهاء. أنت أقررت على نفسك أن عليك هذا المبلغ.
قال: لكن هذا زيادة عن اللزوم. نعم، يعني لماذا وافقت؟ يعني تخدعنا؟ إما نعم أم لا، كان بإمكانك ألا توافق.
حرمة التضييق على الزوجة لإجبارها على التنازل عن مؤخر الصداق ومعنى العضل
ولكن لما وافقت وُضعت في ذمتك، فما الحل؟ قال: والله أُضيّق عليها حتى تتنازل عن حقها وتقول لي: خذ الخمسمائة وفوقها خمسمائة وطلّقني؛ لأنك أنت رجل ظالم!
فإذن أنت أضعت نفسك عند الله.
﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: 19]
العضل هو الأذية والضغط النفسي، تخنقها يعني؛ لتذهبوا ليس فقط بالخمسمائة ألف.
معنى التبعيض في قوله تعالى ببعض ما آتيتموهن ودلالة الباء على أي شيء
﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: 19]
ولو بخمسين جنيهًا! «ببعض» يعني أي شيء. لما يأتي يقول «ببعض» هذه، يقول لك يعني: البعض يُطلق على أي شيء.
لما قال [الله تعالى]:
﴿وَٱمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]
يعني ولو بشعرة، يبقى البعض ما هو؟ «ببعض رؤوسكم» يعني يقول لك إذن التبعيض، فالباء هنا [للتبعيض]. هذه «ببعض» هذه يعني أي شيء.
﴿لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: 19]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
