سورة النساء | حـ 604 | 19 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 604 | 19 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يشرح النص الآية الكريمة: "ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة".
  • الفاحشة المبينة كما فسرها ابن عباس تشمل سلاطة اللسان وليست مقتصرة على الزنا.
  • تعد قلة الديانة والخروج عن العرف من الفواحش المبينة، مثل إدخال من لا يرضى الزوج بدخوله للبيت.
  • مسبة الزوجة لأهل زوجها وسوء معاملتهم تعتبر من الفواحش.
  • المعاشرة بالمعروف هي طريقة العلاج التي حددها القرآن، فإساءة الزوج للزوجة قد تدفعها للوقوع في الفاحشة.
  • يورد النص قصة شيخ صبور تحمل أذى زوجته بذيئة اللسان دون أن يطلقها خوفاً من أن تؤذي غيره من المسلمين.
  • استمر هذا الشيخ في معاشرتها بالمعروف رغم إساءتها حتى وفاتها.
  • الآية تختم بـ "فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً".
محتويات الفيديو(8 أقسام)

تفسير قوله تعالى لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا ٱلنِّسَآءَ كَرْهًا﴾ [النساء: 19]

ثم يقول:

﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19]

وكان ابن عباس رضي الله تعالى عنه يفسر الفاحشة المبينة بأنها بذاءة اللسان.

معنى الفاحشة المبينة عند الصحابة ليست مقتصرة على الزنا فقط

بعض الناس عندما يقرأ كلمة فاحشة -والعياذ بالله- يذهب ذهنه إلى الزنا، لا، ليس الزنا فقط، بل هذا أيضًا قلة الديانة وعدم الطاعة والخروج عن العرف والمعروف.

فمن الفاحشة المبينة أن تُدخل [المرأة] في بيته من لم يرضَ [زوجها بدخوله]؛ هذا نوع من أنواع الخيانة، أن لا يرضى بدخول فلان فتُدخله، وأن تجلس على سريره -وسريره ليس بالضرورة سرير النوم، فالسرير يمكن أن يُطلق على الكرسي- من لم يرضَ [زوجها بجلوسه].

وأن تُسلّط لسانها على أبيه أو أمه، أي أنهم يسكنون في بيت واحد، طوال النهار تسبّ حماتها وتقول أدّبها عليها، نعم، فتكون هذه فاحشة.

فهم الصحابة للفاحشة المبينة بأنها قلة الأدب والحياء وليس الزنا فحسب

فإذا كان الصحابة الكرام لم يفهموا كلمة فاحشة أنها تعني جريمة، أي جريمة الزنا، لا، بل فهموا فاحشة بأنها قلة الأدب والحياء وقلة التديّن التي يدخل فيها الزنا طبعًا؛ فهذه تكون بلية كبيرة تمامًا.

ولكن لا، بل قبل البلية الكبيرة تمامًا، هذه أيضًا تُعدّ قلة الأدب والفتنة التي تقوم بها هذه المرأة قليلة التربية في المجتمع، تُعدّ مُسقطة لهذا [الحق].

الأخ [أي الزوج] يقول لها: لا، هذا أنتِ هكذا لا تستحقين شيئًا. قد يتنازع الناس في هذا، فأول شيء أن نراعي ربنا، لا نتهم المرأة بشيء ليس فيها، فيكون كأنك اتهمتها بفاحشة هي لم ترتكبها.

الإسلام يقف مع الحق ويوجب التهذيب والتقوى للرجل والمرأة معاً

وعرفنا إذن ما هي الفاحشة المبينة؟ إنها أي شيء حتى بذاءة اللسان.

يكون إذا هذا [الحكم] ليس واقفًا مع النساء دائمًا، هذا واقف مع الحق؛ يجب أن تكون المرأة امرأة مهذبة، ويجب أن يكون الرجل رجلًا مهذبًا، يجب أن تكون المرأة امرأة تقية، ويجب أن يكون الرجل رجلًا تقيًّا.

مبنى [هذا الأمر أنّ] نحن لا نريد رجلًا يطغى على امرأة، ولا امرأة تطغى على رجل. القضية قضية حب وقضية تعاون وقضية تقوى وقضية مراعاة ربنا.

المعاشرة بالمعروف هي طريقة العلاج قبل الحكم بالفاحشة المبينة

ولذلك يقول [الله تعالى]:

﴿إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19]

كلمة ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ بعد كلمة ﴿فَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ يقول لك: هذا رسم لطريقة العلاج.

يعني عندما تعاشرها معاشرة طيبة وتُفقدها أعصابها وتدفعها إلى الفاحشة المبينة، يعني لماذا تفقد المرأة أعصابها وتقول بمناوشة وتشتم الجيران وشتم الأهل وشتم أباه وأمه وأخاه وأخته؟ لماذا؟ يعني يجب أن يكون هو أيضًا فاعلًا شيئًا وأتعبها.

ولذلك يقول لك: حسنًا، عاملها بشكل جيد، هكذا ستحملك في عينيها. حسنًا، عاملتها بشكل جيد ولم تحملك عينيها؟ آه، هذا حينئذ، هذه التي تريد التأديب والتي تريد الضبط والتي تريد هذه المعاملة.

قصة الشيخ الصبور الذي تحمّل أذى زوجته بذيئة اللسان لوجه الله

كان عندنا واحد من مشايخنا رحمه الله تعالى، وكان صبورًا، ربنا أنزل عليه الصبر. وكان هذا الرجل تزوج امرأة حسناء جميلة جدًّا وجميلة، لكنها كانت بذيئة اللسان.

سأعطيكم مثالًا لكي [تعرفوا]، أشياء يعني ما هي أشياء مجنونة لا يقول أحد هكذا: كان عندما يأتيه ضيف، قُم فأغلق عليهم المجلس الذي يجلسون فيه، وقل له: أنت وضيوفك الآن -بدلًا من أن تُحضر كوب الشاي وتُحضر التحية- تقول له: أنت وضيوفك الآن اقفزوا من النافذة! وكان يسكن هو في الطابق الأرضي، وتجعلهم يقفزون من النافذة للخروج من المنزل.

لا، هذا فوق [الاحتمال]، إذن هذا عندما يُعرض على حضرة القاضي، يحكم بأنها قد جاءت بفاحشة مبينة.

صبر الشيخ على أذى زوجته خشية أن يبتلي بها أحداً من المسلمين

فالرجل هذا وكان رجلًا تقيًّا، حدّثوه وقالوا له: يا سيدنا ألا تطلّقها؟ قال: أخاف أن أبتلي بها أحدًا من المسلمين؛ ما هي في الأصل جميلة، ستتزوج مرة أخرى، وعندما تتزوج مرة [أخرى يتأذى غيره].

إن هذا رجل صبور وقد تحمّل أذاها لكي يدفع أذاها عن المسلمين. لقد كان صادقًا، وكان هذا الرجل مما مَنّ الله عليه به أنه كان يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبشّره بالمرائي الحسان.

انظر كم كان يبشّره بالمرائي الحسان! فكان يطمئن قلبه بأنه يسير على الطريق الصحيح، وأنه لا يفعل ذلك لا لهوى ولا لدنيا، وإنما يفعل هذا لوجه الله تعالى.

صبره عليها حتى ماتت وبكاؤه عليها واستدلاله بالعشرة بالمعروف

هذه هي فاحشة مبينة، واستمرت هذه المرأة تؤذيه بالرغم من حسن خلقه ومعاشرته بالمعروف. نعم، هي التي يصدق عليها ذلك [الحكم].

لكن ماذا كان من أمره معها؟ صبر عليها حتى ماتت، فلما ماتت بكاها، نعم. وكان يستدل بقوله على الوجه المكلّل بالجلال، قول الشاعر: أي وجهها مُجلّل بالجلال، هذه فعلت بك ما لا يُفعل، ولكنه احتسب هذا عند الله سبحانه وتعالى.

فهؤلاء هم الناس الطيبون، وهذه هي العشرة بالمعروف. فربنا قال ماذا؟

﴿فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]

في الدنيا والآخرة. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.