سورة النساء | حـ 605 | 20-21 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 605 | 20-21 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشير القرآن الكريم في سورة النساء إلى حرمة أخذ الرجل شيئاً من مهر زوجته عند إرادة الطلاق والزواج بأخرى.
  • يذكر الشيخ الشعراوي في كتابه "المنن" أنه لم يجمع بين زوجتين قط حتى لا يكسر خاطر الأولى.
  • استشهد بآية "وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً".
  • الضغط على النساء لأخذ حقوقهن من الإثم المبين الذي حذر منه القرآن.
  • استدلت امرأة بهذه الآية على سيدنا عمر عندما أراد تحديد المهور، مشيرة إلى أن القنطار يعادل ثمانين كيلوغراماً من الذهب.
  • يجب على الزوج دفع كامل حقوق الزوجة من مؤخر ومقدم ومتعة ونفقة عدة عند الطلاق.
  • العلاقة الزوجية تجعل الزوجين يعرفان بعضهما معرفة عميقة "وقد أفضى بعضكم إلى بعض".
  • المرأة تعرف حقيقة زوجها كاملة وتكشفه، فلا يمكنه خداعها وإن خدع الناس جميعاً.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

النهي عن أخذ شيء من حقوق الزوجات عند الاستبدال في سورة النساء

مع كتاب الله، وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْـًٔا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 20]

يبقى إذا لا تضغطوا عليهن [على النساء] كي تأخذوا شيئًا من حقوقهن، إياكم أن تأخذوا ميراثهن.

موقف الشيخ الشعراني من عدم الجمع بين زوجتين حفاظًا على مشاعر الأولى

وبعد ذلك [إذا طلّق الرجل زوجته] فكّر في أن يتزوج ثانية. نحن نتكلم عن الرجل التقي، الرجل التقي عندما يأتي ليتزوج ثانية قوم يترك الأولى، أتدرك ذلك؟ هو له في الشرع مثنى وثلاث ورباع.

ولكن يقول الشيخ الشعراني ومما منّ الله به عليّ، يقول هكذا في المنن — كتاب له اسمه المنن — ومما منّ الله به عليّ أنني لم أجمع بين زوجتين أبدًا.

لماذا لم يجمع بين زوجتين أبدًا؟ قال: حتى لا أكسر خاطر الأولى. يُطلّق أو تُتوفّى عنده فيتزوج الثانية، إنما لا يجمع بين الاثنتين لكي لا تغيظ الثانية الأولى. وهذا من الخلق [الحسن]، يقول: حتى لا أكسر خاطر الأولى.

استدلال الشعراني بآية سورة النساء على تحريم الضغط لأخذ حقوق الزوجات

وأخذ هذا [الشيخ الشعراني حكمه] من أين؟ من هذه الآية:

﴿وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْـًٔا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَـٰنًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 20]

يبقى إذن الضغط على النساء لأخذ حقوقهن من الإثم المبين، لا جدال في ذلك ولا ينفع التأويل واللف والدوران والمراوغة وما إلى ذلك، لن ينفعك ذلك، اتقِ الله.

استدلال المرأة على سيدنا عمر بآية القنطار في تحديد المهور

وهذه هي الآية التي استدلت بها المرأة على سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] عندما أراد أن يوحّد هذه الفئة [المهور] عن حدٍّ معين، قالت له: ألم تسمع قوله تعالى:

﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء: 20]

قنطار ذهب! القنطار تقريبًا حوالي ثمانين كيلوغرامًا، كيلوغرام الذهب اليوم بكم؟ الغرام بمائة جنيه، إذن بمائة ألف في ثمانين بثمانية ملايين.

إذن نحن عندما أعطينا هنا المهر أعطينا ماذا؟ ثمانية ملايين مهر.

وجوب دفع جميع حقوق الزوجة كاملة عند الطلاق دون نقصان

وبعد ذلك يريد [الرجل أن يطلّق زوجته و] ستتزوج ثانية، ولا تأخذ منه [من مهرها] مليمًا واحدًا. هكذا هو الأمر، وأنت أيضًا تدفع المؤخر والمقدم والمتعة ونفقة العدة، تدفع جميع الحقوق هكذا.

فإن لم يكن معي شيء فلا يلزمني، ومن لا يملك شيئًا لا يُلزم بشيء. وحكاية عدم الإلزام هذه منصوص عليها في الفقه بأن الواحد يجب أن يملك حتى يتزوج، لو لم يكن معه [مال] فليبقَ غير متزوج.

جواز إعطاء المهر الكبير مع التحذير من الظلم عند الانسحاب من الزواج

﴿وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًا﴾ [النساء: 20]

وليس عشرة آلاف وعشرين ألفًا، لا، بل قنطار! فإذا كان القنطار هذا نهايته فقال: أبدًا.

يعني هل يصح أن نعطي عشرة ملايين وعشرين مليونًا؟ الله يعطيك، الله يعطيك وتعطي، ما لا مانع منه. ولكن هذا لمّا يبقى معك، عندما تنسحب [من الزواج] الانسحاب هذا هو ألا يكون هناك ظلم للآخرين، ولذلك يجب عليكم مراعاة هذا.

معنى الإفضاء بين الزوجين واطلاع كل منهما على حقيقة الآخر

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 21]

هذا يسمونه السؤال الاستنكاري، ما هو؟ الله يعلم وأنتم تعلمون، ولكن هذا يُسأل لماذا؟ أي يستنكر.

وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض، هذا كلام عميق جدًا. أفضى بعضكم إلى بعض؛ لأن الرجل والمرأة في حالة الزواج يعني أن المرأة تعرف عن الرجل زوجها ما لا يعرفه أحد أبدًا، ويعرف عنها ما لم يعرفه أحد أبدًا، لا طبيب ولا أب ولا أم ولا أخ ولا أخت ولا ابن ولا أحد.

اطلاع الزوجة على ظاهر زوجها وباطنه ومعرفتها بحقيقته الكاملة

إنما الرجل يطّلع من زوجته وتطّلع المرأة من زوجها ظاهرًا وباطنًا وحالًا ومقامًا؛ لأنها تبيت معه، تراه ماذا يفعل في الليل، تراه يصلي أم لا يصلي، تراه هل تخرج منه الكلمة، يغتاب الناس، يكذب، ينهب، يدبّر، سارح، مهموم. هذا [كله] تعرف كل شيء، ومع العشرة ينكشف لها.

قال أسيادنا العلماء: إن المرأة تعرف عن زوجها كل شيء، وقد ترضى عنه وقد لا ترضى، عارفة حقيقته. فهو لا يعرف كيف يخدعها، فلو خدع الناس جميعًا فإنه لا يعرف كيف يخدع زوجته. ولو ظهر أمام الناس أنه لا يكذب، فهي تعرف إن كان يكذب أم لا يكذب؛ لأنها تكشفه.

عظمة شأن النبي ﷺ في حياته الزوجية وشهادة نسائه التسع له

قال [العلماء]: وهذا يبيّن عظم شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان له من النساء تسع فرضين عنه صلى الله عليه وسلم جميعهن، ولم تذكر واحدة منهن قط إلا ما كان يُعلي من شأنه صلى الله عليه وسلم ظاهرًا وباطنًا، ظاهره كباطنه وهو طيب.

ليس هناك واحدة اعترضت، ليس هناك واحدة قالت عليه كلمة هكذا أو هكذا أبدًا. جميعهن كنّ يحببنه حبًا شديدًا، وجميعهن وصفنه ما يليق له من جلال وجمال.

حال الزوجية بين الإفضاء والميثاق الغليظ ومعنى النثاء في اللغة

﴿أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 21]

هذا حال الزوجية هكذا، وحال زوجية رسول الله صلى الله عليه وسلم كان معجزة، وكان مدحًا فيه وثناءً عليه ممن منه المدح والثناء ومنه القدح والنثاء.

النثاء ضد الثناء في اللغة العربية، النثاء يعني الهجاء، يعني وهي الزوجة [التي يمكن أن يصدر منها المدح أو الذم].

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَـٰقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: 21]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.