سورة النساء | حـ 607 | 22 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح قوله تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف" حيث تعد عبارة "إلا ما قد سلف" من المبادئ القرآنية.
- •المبدأ القرآني عبارة تهيئ للتكليف دون أن تكون تكليفاً، مثل "لا تزر وازرة وزر أخرى" و"جزاء سيئة مثلها".
- •"إلا ما قد سلف" تعني أن القانون لا يطبق بأثر رجعي، فالحكم يبدأ من وقت نزول التشريع ولا يحاسب على ما مضى قبله.
- •مثال ذلك غيلان الذي كان متزوجاً عشر نساء، فأمره النبي باختيار أربع فقط بعد نزول التشريع.
- •هذا المبدأ يفيد في إصدار القوانين والتربية والعلاقات الاجتماعية بمعنى البدء من جديد.
- •زواج الابن بزوجة أبيه وصفه الله بأنه "فاحشة ومقتا وساء سبيلا"، وهو أشد من الزنا الذي وصف بأنه "فاحشة وساء سبيلا".
- •الحكمة من تحريم زواج الابن بزوجة أبيه هي تنزيلها منزلة الأم، فينقطع الأمل فيها وتستقر الأسرة.
مقدمة الدرس وتلاوة آية تحريم نكاح ما نكح الآباء من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22]
وكلمة ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ معدودة في المبادئ القرآنية.
تعريف المبادئ القرآنية وبيان معنى المصدر الميمي لكلمة مبدأ
والمبادئ القرآنية كلمة "مبدأ" معناها مصدر ميمي يصلح للدلالة على الزمان والمكان والحدث. فالمصدر الميمي شأنه كذلك؛ "مبدأ" يعني مكان البدء، و"مبدأ" يعني زمان البدء، و"مبدأ" يعني نفس البدء. هذا مصدر ميمي معناه كذلك، مبدأ.
حسنًا، ما هو المبدأ القرآني هذا؟
المبدأ القرآني عبارة تصلح لأن تهيئك للتكليف، لكنها نفسها ليست تكليفًا. فالتكليف مثل:
﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ﴾ [الإسراء: 78]
﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ﴾ [الإسراء: 32]
هذا تكليف؛ هذا أمر وهذا نهي. إنما ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ ليس فيها [تكليف]، ليست [تكليفًا].
الفرق بين المبدأ القرآني والحقيقة الإيمانية والكونية في القرآن
حقيقة مثل قوله تعالى:
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 23]
هذه حقيقة [إيمانية]. وقوله تعالى:
﴿وَيُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى ٱلْأَرْحَامِ﴾ [لقمان: 34]
هذه حقيقة إيمانية وحقيقة كونية. وقوله تعالى:
﴿وَتَرَى ٱلْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج: 5]
هذه حقيقة [كونية]. لكن المبدأ يهيئك للتكليف.
أمثلة على المبادئ القرآنية التي تهيئ المسلم للتكليف الشرعي
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
هذا مبدأ.
﴿وَجَزَٰٓؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]
هذا مبدأ.
﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]
هذا مبدأ.
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22]
هذا مبدأ.
فما معنى المبدأ إذن؟ إنه يهيئك للتكليف. عندما تعلم أنه:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
فلا تظلم جارك. قال لك [أحدهم]: خذ ثأرك من جارك، فالجار يُؤخذ بجريرة الجار. لا، هذا ليس كذلك، لا، الدين ليس كذلك. الدين ﴿لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، فهذا أمر جميل هكذا.
تطبيق مبدأ إلا ما قد سلف على من تزوج زوجة أبيه قبل نزول القرآن
متى يحاسبك الله؟ من ساعة ما أنزل القرآن. فماذا عن الذي كان قبل ذلك؟ فأنا تزوجت زوجة أبي السنة الماضية والقرآن نزل في هذه السنة، ماذا أعمل إذن فيما حدث السنة الماضية؟
قال [الله] له:
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22]
﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95]
طيب، أنا متزوج زوجة أبي الآن والقرآن نزل، أستمر لأننا متزوجون؟ قال له: لا. أنا متزوجها منذ عشر سنين. قال [الله]: العشر سنين هذه لن أحاسبك عليها، ولكن ابدأ في التنفيذ من الآن [من نزول القرآن].
قصة غيلان الذي كان متزوجًا من عشر نساء وأمره النبي باختيار أربع
فلما نزل القرآن وجدنا رجلًا متزوجًا من عشر نساء اسمه غيلان. غيلان هذا قال له النبي ﷺ:
«لا، اختر أربعًا والست لا يبقين بعد ذلك»
لأنه من اليوم لك أربع فقط. فماذا أفعل؟ لقد أنجبت من كل واحدة منهن عشرة [أولاد] كذا واحدة! قال له: لا بأس، إلا ما قد سلف، فقط نبدأ من اليوم.
مبدأ إلا ما قد سلف يوافق مبدأ عدم رجعية القوانين في العصر الحديث
إذن ماذا نسمي هذا [المبدأ]؟ في العصر الحديث اكتشفوها هذه الحكاية؛ يقول لك: القانون ليس له أثر رجعي. الكلمة هي ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾. يقول لك ماذا؟ يقول لك فورية القوانين؛ يعني القانون لا يُطبَّق عليك إلا من حين صدوره، أما الذي كان قبل ذلك فلا يُطبَّق عليك.
ولكن أنت تبدأ في تطبيقه وتوفيق أوضاعك حالما يصدر القانون. فيكون ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
تطبيقات مبدأ إلا ما قد سلف في القوانين والتربية والاجتماع البشري
وهذه [القاعدة] ستنفعك في إصدار القوانين وفي التعامل مع القوانين، وستنفعك أيضًا في التربية وأنت تربي ابنك؛ ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
وستنفعك في الاجتماع البشري:
﴿فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِٓ﴾ [البقرة: 109]
في العلاقات بينك وبين المجتمع؛ ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ابدأ من جديد. يبقى هذا وضع مهم [في فهم المبادئ القرآنية].
وصف نكاح زوجة الأب بالفاحشة والمقت وبيان أنه أشد من الزنا
﴿إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 22]
هذا [الوصف] لكي يهزنا من الداخل؛ زواج [الرجل] من زوجة أبيه أو من مرات [امرأة] أبيه، هذا أشد من الزنا.
من الذي قال إنه أشد من الزنا؟ إنه زنا وانتهى الأمر! لا، بل هو أشد؛ لأن الله عندما يتحدث عن الزنا قال ماذا؟
﴿وَلَا تَقْرَبُوا ٱلزِّنَىٰٓ إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 32]
فاحشة وساء سبيلًا. هنا [في نكاح زوجة الأب] قال ماذا؟ فاحشة ومقتًا وساء سبيلًا.
سبب زيادة وصف المقت في نكاح زوجة الأب عن وصف الزنا العادي
لماذا يقول ذلك هنا [في نكاح زوجة الأب] ويقول هكذا هنا [في الزنا]؟ إنه يقول لك أنك لم تزنِ فحسب، بل أنت زنيت وأجرمت وأثمت.
طيب، ولماذا؟ أصله [الابن] سيبقى معها [زوجة أبيه] في البيت. إذا كان [الله قد] حرَّم عليك الزواج وقطع الأمل فيه تمامًا، لأي غرض؟ بغرض أن زوجة أبيك وهي في البيت تبقى آمنة وتبقى أنت آمنًا.
كيف يأتي الأمان؟ من انقطاع الأمل. هذه [المرأة] أصبحت أمك فانقطع الأمل فيها، وعندما انقطع الأمل فيها لم تعد تتحرك الشهوة تجاهها.
حكمة تحريم نكاح زوجة الأب لتحقيق الأمان واستقرار الأسرة
لن أنتظر أبي حتى يموت وأذهب لأقتله بالسم كي أتزوج امرأته، وأتمنى له الموت. لا، هذا خلط للدنيا. هذه المرأة أصبحت أمك فينقطع الأمل، وتُنزِلها منزلة المحارم لأنها محرمة عليك أبدًا؛ أي طوال عمرك.
فيصبح الأمر منتهيًا، فلا تجد النفس تواقة إليها لأن هذه أمك. فهل يوجد أحد يشتهي أمه؟ لا يجوز ذلك.
خلاصة مبدأ إلا ما قد سلف وغاية التحريم في استقامة الأسر واستقرارها
﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22]
و﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يعني معناها الماضي؛ نعم سنعفو عنك، لكن اليوم تبدأ في التطبيق.
﴿إِنَّهُ كَانَ فَـٰحِشَةً وَمَقْتًا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 22]
أغلقها بالضبة والمفتاح [أي أحكم التحريم إحكامًا تامًّا]؛ لكي يعيش الولد مع زوجة أبيه معيشة الابن مع أمه، فتستقيم الأسر وتستقر.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
