سورة النساء | حـ 609 | 23 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يبين الله في سورة النساء هيكل القرابة بين الناس، فيحرم النكاح بسبب النسب والمصاهرة والرضاعة.
- •بعض المدارس المتطرفة تسعى لهدم هيكل القرابة بدعوى الحرية والانطلاق، مما يؤثر سلباً على المجتمع البشري.
- •الرضاعة المحرمة تكون بخمس رضعات متفرقات وليس شرطاً أن تكون مشبعات كما يشيع بين الناس.
- •تحريم الرضاعة يكون خلال السنتين الأوليين من عمر الطفل.
- •الرضاع المحرم هو وصول لبن المرأة إلى جوف الإنسان بأي طريقة كانت، وليس بالضرورة مص الثدي.
- •يمكن أن يصل اللبن للجوف عبر وسائل متعددة كالفنجان أو الكوب أو القطارة أو حتى عن طريق الأنف.
- •الجهل بحقيقة الرضاع دفع بعض الناس للاعتراض على ما ورد في صحيح البخاري وما نقل عن السيدة عائشة.
- •الدفاع هنا ليس عن رضاع الكبير بل عن صحيح البخاري والسيدة عائشة والنبي صلى الله عليه وسلم.
مقدمة في سورة النساء وهيكل القرابة بين الناس وأنواع التحريم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يرسم لنا هيكل القرابة بين الناس؛ فيحرم علينا نساءً، ويحرم علينا مؤقتًا، ويحرم علينا مؤبدًا، ويحرم علينا نسبًا، ويحرم علينا مصاهرةً، ويحرم علينا رضاعًا، ويحرم علينا من جهة أخرى حقيقةً.
وهكذا فإن الله سبحانه وتعالى يرسم لنا هيكل القرابة الذي عليه اجتماع البشر.
خطورة المدارس المتطرفة التي تهدم هيكل القرابة بدعوى الحرية
وكما ذكرنا فإن كثيرًا من الناس في بعض المدارس المتطرفة يريد أن يهدم هيكل القرابة، وبذلك فهو -إن كان يدري أو لا يدري- يريد أن يهدم الاجتماع البشري بدعوى الحرية والانطلاق والإبداع وغير ذلك من الألفاظ الهلامية المعنى، التي يُراد بها مرةً شرًّا ومرةً خيرًا، ومرةً لا يُراد بها شيء من العبث الذي يعبثون به بالبشرية وبالمجتمع البشري.
والله سبحانه وتعالى جعل كتابه هدايةً للعالمين إلى يوم الدين.
آية المحرمات من النساء في سورة النساء وشروط الرضاع المحرِّم
قال تعالى:
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّـٰتُكُمْ وَخَـٰلَـٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ﴾ [النساء: 23]
وتوقفنا عند هذا الحد، وقلنا أن الرضاع يتم -على ما استقر عليه الفقهاء المصريون- بـخمس رضعات.
الفرق بين خمس رضعات متفرقات وما شاع بين الناس من لفظ مشبعات
هذه الرضعات الخمس لا يُشترط فيها الإشباع؛ يعني في كلام الناس يقولون «مشبعات»، هذا ليس في الفقه. هي خمس رضعات متفرقات، الذي في الفقه هو خمس رضعات متفرقات.
وما عليه ألسنة الناس «خمس رضعات مشبعات» هذه ما لم نجدها في كتب الفقه الموروث؛ فبحثنا عنها فلم نجدها «مشبعات»، لكنها شائعة بين الناس. إنما الحاصل أنها خمس رضعات متفرقات.
يعني لو أن الطفل ترك ثدي المرضعة وعاد إليه في جلسة واحدة فلا تكون متفرقات، أخذ نفسه ورجع ثانيةً فلا تكون متفرقات.
اشتراط أن يكون الرضاع في سن السنتين وإثارة مسألة رضاع الكبير
ويكون سن [الرضاع المحرِّم] السنتين، يبقى حتى سنتين. فإذا رضع أحدهم وهو ابن ثلاث سنين أو سنتين وشهرين وفوق السنتين، قال لك: لا تُحرِّم [هذه الرضاعة].
وهذا ما أثاروه وأثاره بعضهم عندما يتحدث عما أسموه بـرضاع الكبير، وفيه من عدم العلم الكثير. كل واحد يعترض على ما ورد في صحيح الإمام البخاري صحيحًا عن الخلق [النبي] صلى الله عليه وسلم.
aعترض! عندما نقول جهلاء فيغضبون ويقولون لك: نحن جهلاء فماذا أنتم إذن علماء؟ أبدًا، الذي يعترض من غير علم يُسمى جاهلًا، وأحيانًا يُسمى جاهلًا مركبًا.
قصة حمار الحكيم توما والفرق بين الجاهل البسيط والجاهل المركب
قال حمار الحكيم توما: لو انكسر الظهر لكنت أُركَب، فأنا جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب.
ما هو [المقصود]؟ الحكيم توما يظن نفسه -وهو يرتدي العمامة هكذا- أنه عالم وهو جاهل. فما مدى جهل الجاهل؟ كل واحد مسكين يظن أن الرضاعة لا تتم إلا بمصّ الثدي، عقله هكذا، الذي في عقله هكذا.
ما إن نقول «رضاعة» حتى يتخيل امرأةً لها ثدي وهناك رجل يمصّ ثديها! هذه صورته الذهنية [عن الرضاعة]، تحاول أن تُفهمه فيها، يدور ويتحير أنه ليس هو ذلك. الرضاعة أبدًا [ليست كذلك].
تعريف الرضاعة الشرعية هو وصول لبن المرأة إلى جوف الإنسان بأي طريقة
ما هي الرضاعة إذن في الكتاب وفي السنة وفي اللغة وفي الفقه؟ [هي] وصول لبن المرأة إلى جوف الإنسان.
فالمرأة أول ما تلد يكون صدرها ممتلئًا، فتمسك صدرها وتضغط عليه وينزل منه اللبن كي يرتاح. الفلاحة تعرف، والمرأة في البيوت تعرف هذه الحكاية. أمها تقول لها عندما تكون فتاةً صغيرة، وأول مرة تحمل تقوم أمها بإخبارها بأمور فطرية.
أي أن المفهوم أن ما ينزل هذا [اللبن] إذا شربه طفل فإنه يصبح محرمًا عليه. فالرضاع المحرِّم هو وصول لبن المرأة إلى جوف الإنسان بأي طريقة كانت، بأي طريقة كان.
الرد على من يستنكر حديث رضاع الكبير بسبب الجهل بمعنى الرضاعة الشرعية
يُفهَم أخانا أنها بأي طريقة كان، يرجع ويقول لك: فهل يُعقل يعني أن رسول الله ﷺ قال هذا؟ فهل يُعقل أن السيدة عائشة قالت هذا؟ فهل يُعقل يعني أن نفعل هذا؟ وهكذا دائمًا بإصرار غريب عجيب لا ينفك عن الجهل أبدًا.
قوم أهل العلم يقولون ماذا؟ يقولون: إنا لله وإنا إليه راجعون! نحن نحاول أن نُفهم ولكن لا يوجد فهم، نحاول أن نُعلِّم ولكن لا توجد فائدة.
حسنًا، وبعد ذلك ماذا سنفعل؟ ماذا سنفعل فيمن يعتدي على [السيدة] عائشة، ثم على [الإمام] البخاري، ثم على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ويأخذ من هنا ويأخذ من هنا، وتأتون لتعلمه ولا توجد فائدة.
الرضاعة الشرعية وصول اللبن إلى الجوف بأي وسيلة كالفنجان أو القطارة أو الأنف
إلا يجب [أن يُفهم أن] الرضاع -كما يرى الأبعد [من الفقهاء]- يا أخي، الرضاع ليس هكذا [كما يتصوره الجاهلون]. الرضاع وصول اللبن إلى الجوف.
يقول لك: آه، فكيف سيصل إذن؟ يعني يصل بالفنجان، بالكوب، بالقطارة.
ما هذه القطارة؟ قال [ابن قدامة] الخطيب في المغني: ولو عن طريق الأنف. أحضر قطارة ونضع للولد في أنفه اللبن، فينزل في الحلق ويدخل في الجوف، فيصبح محرمًا عليه.
أصبح أحدهم ساذجًا فيقول لي: ما معنى عن طريق الأنف؟ هل يوجد طفل يرضع عن طريق الأنف يا أخي؟ نقول لك: إن الولد في المستشفى وأجروا له أنبوبًا من أنفه لأن هناك عائقًا في حلقه، فوصل إليه اللبن عن طريق الأنف. ما شأنك أنت؟
الرضاعة الشرعية تشمل حتى الجبن المصنوع من لبن المرأة وتحريمه
هذه هي الرضاعة الشرعية: مرات متفرقات محرِّمات، ولو كان [الواصل إلى الجوف] جبنًا.
هو فيه جبن! انظر يا أخي المشايخ، وانظر الفعل الخاص بها: هو فيه جبنة تُصنع من لبن المرأة. نعم يا جاهل، يوجد جبنة تُصنع [من لبن المرأة]! يا جاهل انظر!
الرد على المعترضين بالرفق والدعوة للتعلم قبل الكتابة والدفاع عن العلماء
الشيخ كيف يشتم؟ ألم تخنقونا؟ أليس كذلك؟ لا فائدة! لقد أخذناكم بالسياسة، لا فائدة.
انظر أيها الشيخ، يا عم الشيخ ألا تأخذنا بالرفق هكذا؟ وأنت أيضًا ألا تأخذ نفسك بالرفق ولا تكتب إلا ما عرفته وما تعلمته، ولا تكتب هكذا عن جهالة مرة أخرى.
سنفتح موضوع الرضاع، لعل أحدًا يظن أن رضاع الكبير ينفع. وليس ينفع! أقول لك: انظر إلى هذا، يدافع عن رضاع الكبير! لا، ما أدافع عن رضاع الكبير. هذا أنا أدافع عن الإمام البخاري والسيدة عائشة وسيد الخلق صلى الله عليه وآله وسلم، وعقلية الأمة التي يُتلاعب بها.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
