سورة النساء | حـ 612 | 23 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتناول النص آيات تحريم الزواج من سورة النساء، موضحاً مفهوم المحرمات من النساء بسبب المصاهرة.
- •أم الزوجة (الحماة) تصبح محرمة بمجرد العقد على الابنة، وتعامل معاملة الأم الحقيقية.
- •يوضح أن الإنسان له ثلاث أمهات: الأم التي ولدته، والأم التي أرضعته، وأم زوجته.
- •بنت الزوجة (الربيبة) تحرم بالدخول بأمها وليس بمجرد العقد.
- •ناقش النص تفسير عبارة "اللاتي في حجوركم" في الآية الكريمة، وبيّن أن جمهور العلماء اعتبروها خرجت مخرج الغالب وليست قيداً للتحريم.
- •أوضح معنى "خروج الكلام مخرج الغالب" وهو أن الغالب أن تكون البنت في حجر أمها بنسبة تتجاوز 96%.
- •ذكر خلاف ابن حزم الأندلسي مع الأئمة الأربعة في هذه المسألة.
- •أشار إلى ثراء الفقه الإسلامي الذي يحتوي على أكثر من مليون ومائتي ألف فرع فقهي.
افتتاح الدرس بالدعاء والبدء في تفسير آيات المحرمات من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا وافتح علينا فتوح العارفين بك، وعلّمنا مرادك من كتابك يا أرحم الراحمين.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعدّد علينا ما حرّم علينا:
﴿وَأُمَّهَـٰتُكُمُ ٱلَّـٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَـٰعَةِ وَأُمَّهَـٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23]
تحريم الحماة بمجرد العقد وصيرورتها أمًّا مؤبدة التحريم
إذا حرّم [الله] عليّ حماتي [أم زوجتي] وحرّم عليّ ابنة زوجتي [الربيبة]، فأما الحماة فقد حرّمها الله عليّ بمجرد العقد، فصارت أمًّا لي.
هذه النقطة الأولى، وصارت محرّمة عليّ إلى الأبد؛ استمريت مع الفتاة [زوجتي] أم لم تستمر، طلّقتها أو لم تطلّق، ماتت أم عاشت، هذه المرأة [أم الزوجة] أصبحت أمي وأصبحت محرمًا لي، أعاملها معاملة الأم.
معاملة أم الزوجة كالأم الحقيقية في جميع شؤون الحياة
حسنًا، أنا أقبّل يد أمي كلما دخلت عليها، أقبّل يديها، أقبّل هاتين اليدين [يدي أم زوجتي أيضًا]. حسنًا، لقد ذهبت مع أمي [التي ولدتني] إلى الحج، أذهب مع هذه [أم زوجتي] أيضًا. حسنًا، هذا أنا سأصطحب أمي إلى الطبيب، أصطحب هذه [أم زوجتي كذلك]؛ فقد صارت أمًّا.
يكون لي كم أمّ هكذا؟ ثلاث أمهات: الأم التي ولدتني، والأم التي أرضعتني، والأم التي زوّجتني ابنتها. ثلاث إذن، فيكون لي ثلاث أمهات.
الفرق بين تحريم أم الزوجة بالعقد وتحريم الربيبة بالدخول
إذا تزوجت امرأة حرمت عليّ بالعقد أمها. طيب هذه أمها، طيب هل كان لها بنت؟ المرأة التي أنا متزوج بها لها ابنة [من زوج سابق]، تحرم عليّ بالدخول وليس بالعقد.
نحن عقدنا العقد يوم السبت، يوم الأحد طلّقنا، يوم الاثنين تزوّج ابنتها. لماذا [جاز ذلك]؟ وأنا لم أدخل بها [بأمها].
طيب أمها، لا يجوز أن أتزوج أمها؛ يوم السبت عقدنا العقد، يوم السبت حرمت عليّ الأم وانتهى الأمر، صارت أمي من الأمهات الثلاث.
معاملة الربيبة معاملة الابنة بعد الدخول بأمها وأحكام العورة
فإذا كانت هذه الفتاة [الربيبة] قد أصبحت ابنتي بالدخول [بأمها]، وكيف أعاملها؟ معاملة الابنة.
فهذه ابنتي، يمكن أن ترضع ولدها أمامي؛ لأن عورة البنت على أبيها من السرة إلى الركبة، فيمكن أن ترضع ولدها أمامي أنا أبوها. هذه الفتاة [الربيبة] أيضًا ترضع ولدها أمامي ما دمت أبوها، فقد أصبحت أبًا ولكن بعد الدخول بأمها، بالعقد لا [لا تصير ابنتي].
معنى الربيبة وشرط كونها في حجر زوج الأم في الآية الكريمة
طيب، هذا يقول هنا شيئًا يجب أن نقف عنده. قلنا له ما هو؟ قال:
﴿وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ﴾ [النساء: 23]
الربيبة التي هي بنت زوجتي من رجل آخر:
﴿ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم﴾ [النساء: 23]
طيب، أنا لمّا تزوّجتها [أم الربيبة] البنت كانت تعيش مع أبيها في أسيوط، أنا تزوّجتها هنا في القاهرة وبنتها أين؟ مع أبيها في أسيوط. تبقى أيضًا الفتاة التي في أسيوط هذه ليست في حجري، هذه في أسيوط.
قالوا [العلماء]: ولو كانت في أسيوط. قلنا: الله! طيب إذن ربنا يقول:
﴿ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم﴾ [النساء: 23]
يعني مربّيها؛ يراها وهي طفلة صغيرة هكذا، يحملها نازلًا بها يوم العيد لكي نشتري لها فستانًا وحذاءً، وربما -الله أعلم- أنني وأنا أحملها أنها تغوّطت عليّ، احتمال!
قاعدة خروج الكلام مخرج الغالب عند جمهور العلماء في تفسير الآية
أي أنني ربّيتها، فالفتاة تنمو أمامي وأنا بمنزلة الأب، ولذلك انقطع الأمل أيضًا بأن أعاملها معاملة ابنتي. فماذا أفعل إذن؟ ولكن هذه [الربيبة] تربّت بعيدًا عني.
هنا جمهور العلماء قالوا: لا، هناك شيء في اللغة العربية لا نتنبّه إليه يسمّى خروج الكلام مخرج الغالب، قاعدة كذلك في العرب: خرج الكلام مخرج الغالب.
قلنا له: الغالب كيف يعني؟ قال: يعني لو كان كل مائة رجل تزوّج مائة امرأة لديهن بنات، المائة امرأة -الحالة التي نحن أخذناها، العيّنة التي نحن أخذناها- مائة امرأة كل امرأة لديها بنت، هذه العيّنة التي نحن جلبناها تزوّجن مائة رجل.
الغالب أن الربيبة تكون في حجر زوج أمها وليس مع أبيها
كم حالة فيها تكون الفتاة صغيرة [في حجر زوج أمها]؟ وكم حالة فيها تكون الفتاة في أسيوط [مع أبيها]؟ قال لك: ستة وتسعون في المائة تكون الفتاة معها [مع أمها] في حضنها؛ لأن الأم حاضنة.
والثلاثة في المائة هذه في حالة أن تكون الأم لديها خلل، فأبوها -فالأب أبو البنت- أخذها، أو يكون الرجل عنيدًا وذهب هاربًا بها إلى أسيوط في الجبال هناك، أو يكون شيء كذلك في مشكلة يعني.
لكن الغالب ما هو؟ أن البنت في حجر أمها فتتربّى مع زوج أمها، أكثر من تسعين في المائة من كل مائة. هذا معنى الغالب: خرج مخرج الغالب.
موقف الأئمة الأربعة وابن حزم من قاعدة خروج الكلام مخرج الغالب
فلمّا الله سبحانه وتعالى يكلّمنا ليس على سبيل القيد وإنما سبيل بيان الغالب. هذا كلام الأئمة الأربعة.
هذا الكلام من عارضهم فيه وناقشهم؟ ابن حزم الأندلسي. قال لهم ماذا؟ قال لهم: أبدًا، لا يدخل عقلي. في حرية فكرة، هذه في كلام أخذ وردّ، هذا في اجتهاد؛ في أن الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد.
في آراء موجودة لدينا ثرية؛ مليون ومائتا ألف فرع فقهي لدينا في أمة كهذه، لديهم مليون ومائتا ألف فرع فقهي. طبّ ما اسم هذه الأمة؟ لا يوجد [مثلها]!
تأكيد أن قيد الحجور ليس شرطًا وأن الدخول هو الشرط الحقيقي لتحريم الربيبة
طيب:
﴿وَرَبَـٰٓئِبُكُمُ ٱلَّـٰتِى فِى حُجُورِكُم﴾ [النساء: 23]
هذا ليس قيدًا وإنما هذا لبيان الواقع؛ لأن الغالب يبقى خرج مخرج الغالب.
﴿مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّـٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ﴾ [النساء: 23]
لو كان سكت [الله سبحانه وتعالى] لكان حكاية "دخلتم بهن" أيضًا هذه واحدة سيأتي يخرج يقول ماذا؟ لعلها أن تكون خرجت مخرج الغالب. قام قال ماذا؟
﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23]
قام الأئمة قالوا ماذا؟ قالوا: يبقى هذه ["في حجوركم"] خرجت مخرج الغالب؛ لأنه لو كان أراد [أن يجعل] بتاعه [قيد] أسيوط هذه ليست داخلة، كان قالها بالتفصيل هكذا. هو:
﴿فَإِن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 23]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
