سورة النساء | حـ 613 | 23 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية الكريمة "وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم" تحرّم زواج الرجل بزوجات أبنائه الحقيقيين وليس أبناء الرضاعة.
- •تحريم زوجة الابن على أبيه يكون بمجرد العقد عليها وليس بالدخول، فالعقد هو ما يجعل المرأة حلالاً للرجل.
- •التحريم أبدي حتى لو طلقها الابن أو توفي عنها، فتصبح كإحدى بناته.
- •قيد "الذين من أصلابكم" يُخرج أبناء الرضاعة، فيجوز للأب من الرضاعة أن يتزوج مطلقة ابنه من الرضاعة.
- •من يرضع من امرأة، يصبح الرجل الذي تزوجها أباً له من الرضاعة، وتحرم عليه بنات هذا الرجل.
- •يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب، فتكون أم المرضعة جدة للرضيع وأخت المرضعة خالته.
- •لو لم يُقيد الله الآية بقوله "من أصلابكم" لشمل التحريم أبناء الرضاعة أيضاً.
مقدمة في تحريم حلائل الأبناء من الأصلاب في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يعدد لنا ما حرّم علينا من النساء، يقول سبحانه وتعالى:
﴿وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ﴾ [النساء: 23]
إذن حلائل الأبناء عندما يكونون ابن صُلب، يعني أنا تزوجت بامرأة وطلقتها أو مُتُّ عنها، فأبي لا يجوز له أن يتزوج زوجتي؛ هذه أصبحت ابنته إلى الأبد.
﴿وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ﴾ [النساء: 23]
هل تحريم حلائل الأبناء يكون بالعقد أم بالدخول وأثر ذلك على المحرمية
وهنا تكلم الفقهاء فقالوا: هل هذا الحكم [تحريم زوجة الابن على أبيه] يكون بكتابة العقد (عقد الزواج) أم بالدخول؟
حسنًا، الآن نحن قلنا عندما ستتزوج امرأة وتكتب عليها العقد، تصبح أمها محرمة عليّ. حسنًا أنا كتبت عليها الكتاب وحُرِّمت على أمها، وأبي أنا أيضًا يحرم على هذه الفتاة.
وهذا حتى يذهب [الأب] إلى البيت ويفرش معها الأثاث، وبعد ذلك تأخذ رأيه في وضع أثاث البيت وتقول له: ما رأيك يا عمي؟ فيقول لها: رأيي أن حجرة النوم تبقى هذه الناحية من الغرفة، فتقول له: لا، أنا رأيي أن تبقى في ناحية أخرى حتى تُثبت ملكيتها للبيت.
صورة عملية لعطف أب الزوج على زوجة ابنه وإشعارها بملكية البيت
وتأخذ رأيه في طلاء البيت: هنا ماذا يا عمي؟ يقول لها: سندهن مثلًا سِن فيل، تقول له: لا، الفستقي يا عمي، فيقول لها: حاضر يا بنتي، ويفعل هذا معها من باب العطف عليها لأنها أصبحت كبنته.
هذا الرجل الكبير يفعل هكذا، وهذا لأنه عطوف عليها؛ لأنه يريدها أن تشعر بملكيتها للبيت، وأنه ليس في نزاع معها وشجار وخصام. لا، وإنما يعني: أنتِ لا تريدين أن تكوني ليّنة هيّنة، أنتِ تريدين أن تمتلكي البيت؟ امتلكيه، ما هو [البيت] ملكك!
هؤلاء الناس العقلاء، وهو يضحك، فتقول زوجة الابن: عمي هذا ليس ليس هناك مثله، جميل جدًا.
تحريم حلائل الأبناء يتم بالعقد لا بالدخول والرد على من خالف ذلك
حسن،
﴿وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ﴾ [النساء: 23]
هل يكون بالعقد؟ حلائل أي يحلّ له، والحلّ يتم بماذا؟ بالدخول أم بالعقد؟ لا، بالعقد.
ولذلك الذي خرج مرة وقال: الذي كتب كتابه لا يعرف يُقبّل هذه المرأة أو يدخل بها حرام، هو ليس قارئًا للقرآن أصلًا! فالقرآن يقول:
﴿وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ﴾ [النساء: 23]
حلال أم ليس حلالًا بالعقد؟ ما موجب الحلّ؟ العقد. هدف عقد الزواج هو حلّ الاستمتاع. انظر إلى هدف العقد: نعقد العقد لماذا؟ لكي يحلّ الاستمتاع بين الطرفين؛ المرأة تتمتع بالرجل والرجل يتمتع بالمرأة.
الفرق بين العقد والدخول وأن الدخول تنفيذ للعقد لا سبب للحل
طيب،
﴿وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ﴾ [النساء: 23]
يتم بماذا؟ يتم بالعقد ليس بالدخول. إذن ما هذا الدخول؟ هذا هو التنفيذ (تنفيذ العقد).
طيب، نحن تركناهم في بيت واحد وأغلقنا عليهم ولم يدخلوا (لم يجامع زوجته)، لم يدخلوا (لم يجامعها) لمدة سنة وهم جالسون هكذا، نحن مسرورون هكذا، هم أحرار.
الدخول (الجماع) تمّ، الذي يسمّونه الأحناف «إرخاء الستر». ما هو إرخاء الستر؟ يعني إغلاق الباب عليهم (يسكنوا في بيت واحد). أما حكاية الوطء (الجماع) هذا لا علاقة له بالحديث، بل نحن لنا علاقة بإرخاء الستر. نعم، هكذا يكون هذا.
العقد هو سبب الحل وبدونه يكون التمتع حرامًا وزنًا
إذن هل إرخاء الستر هذا هو الذي جعلها حلالًا له؟ لا، الذي جعلها حلالًا له العقد؛ لأنه قبل العقد كان يكون ماذا؟ كان يكون ـ والعياذ بالله ـ تمتعًا بالحرام، خلوة غير شرعية، وإذا وقع بينهما شيء يكون زنًا من غير العقد.
وبالعقد يكون حلالًا تمامًا وليس فيه أي شيء؛ فيه النسب وفيه النفقة وما يترتب عليه من مهر أن يكون لها كاملًا، وفيه أنها لها كل الأحكام [الشرعية المترتبة على الزواج].
إذن ما الذي يجعل المرأة أو الرجل حلالًا للآخر؟ [هو العقد].
أثر العقد في تحريم زوجة الابن على أبيه وتحريمها الأبدي
لذلك:
﴿وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ﴾ [النساء: 23]
يصبح بمجرد العقد: الزوج مُحرَّمًا على أم زوجته، ويحرم على الزوجة أب الزوج، وتصبح الأسرة بهذا الشكل سهلة في الإعداد والتهيئة.
حسنًا، وهذا التحريم أبديّ، يعني مات الزوج أو طلّق زوجته، تصبح [زوجة الابن] ابنة أبي الزوج؛ فقد التحقت ببناته.
فلماذا يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾؟ هذا أيضًا لبيان الواقع ولا قيد؟ قد يكون لبيان الواقع، وقد يكون قيدًا [يُخرج الابن من الرضاعة].
حكم زواج الأب من الرضاعة بمطلقة ابنه الرضاعي وأثر قيد الأصلاب
لمّا جعلها [الله تعالى] قيدًا، يبقى أبي من الرضاعة يجوز أن يتزوج ممن كانت زوجتي. أنا رضعت من امرأة، هذه المرأة كانت متزوجة من رجل، لمّا رضعت منها فصارت أمًّا لي، وهو صار أبًا لي [من الرضاعة]، فليكن أبي إذن، وأنا ابنه في الرضاعة.
فماذا يحرم عليّ؟ كل بناته من هذه المرأة التي أرضعتني، ومن أي امرأة ثانية تزوجها أو سوف يتزوجها؛ لأن الأطفال إخوتي لأبي من الرضاعة.
المرأة التي أرضعتني لا علاقة لنا بها [في هذا السياق]، هو ذهب ليتزوج مرة أخرى أو كان متزوجًا وأنجب، هؤلاء الأطفال الذين أنجبهم من قبل فسيكونون أكبر مني، أو من بعد فسيكونون أصغر مني، كل هؤلاء محرّمون عليّ؛ لأن هذه الفتاة شقيقتي من الرضاع، التي هي ابنة المرأة، والثانية أختي لأبي [من الرضاعة].
امتداد تحريم الرضاعة إلى الأخوات من الأم وأصول المرضعة وفروعها
وكذلك هذه المرأة [المُرضعة] لو كانت متزوجة من رجل غيره، فإن هذه [بنات ذلك الرجل] ستصبح أختي لأمي من الرضاعة.
قال رسول الله ﷺ: «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»
وكذلك هذه المرأة [المُرضعة]: أمها جدتي، وأختها خالتي [من الرضاعة].
حسنًا، جميل، في أمانة الله، هكذا جميل.
جواز زواج الأب من الرضاعة بمطلقة ابنه الرضاعي بدليل قيد الأصلاب
هو إذن هذا الأب الذي هو أبي من الرضاعة، يريد أن يتزوج مطلقتي، طلّقتها ويريد أن يتزوجها. جاء يسألني: يا مولانا، هل يجوز أن أتزوجها؟ هذا أبي من الرضاعة؟ قلت له: يجوز أن تتزوجها.
فلماذا؟ رغم أنه لا يجوز أن تتزوج بناتي اللواتي من امرأة أخرى، ولا يجوز أن تتزوج أختي، ولا يجوز أن تتزوج أمي. لماذا؟ لأن هذه جدتك وتلك عمتك وتلك أختك لأبيك.
قلت له: لقوله تعالى:
﴿وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَـٰبِكُمْ﴾ [النساء: 23]
ليس من الرضاع، ولو كان [الله تعالى] يريد أن يُدخل الرضاعة يقول ماذا؟ «وحلائل أبنائكم» وانتهى، لن يذكر الله ﴿مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ هذه.
الانتقال إلى حكم الجمع بين الأختين والختام بالسلام
﴿وَحَلَـٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ﴾ [النساء: 23]
وبعد ذلك انتقل [القرآن الكريم] إلى شيء آخر:
﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23]
هذه المرة القادمة إن شاء الله [نتناولها بالتفصيل].
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
