سورة النساء | حـ 614 | 23 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تحدث القرآن في سورة النساء عن المحرمات من النساء، وفصّل بين المحرمات تحريماً مؤبداً ومؤقتاً.
- •مبدأ فورية القوانين في القرآن يعني أن الحكم يبدأ من لحظة نزوله دون أثر رجعي، فقوله تعالى "إلا ما قد سلف" يعني العفو عما مضى مع وجوب الالتزام بالحكم فور نزوله.
- •من تزوج أختين قبل التحريم يجب عليه اختيار واحدة منهما وترك الأخرى بعد نزول الآية.
- •حرم النبي ﷺ الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها لأنه أقطع للرحم.
- •وضع العلماء قاعدة تقول: "يحرم الجمع بين امرأتين إذا فرضت إحداهما ذكراً حرم عليه أن يتزوج بالأخرى في الاتجاهين".
- •هذه القاعدة تطبق على الأختين والمرأة وعمتها وخالتها، لكنها لا تنطبق على كل حالة كالجمع بين البنت وزوجة أبيها.
- •هذا التحريم مؤقت وليس مؤبداً كالمحرمات من النسب والرضاعة.
مقدمة في بيان المحرمات من النساء مؤبدًا ومؤقتًا في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى من حُرِّم علينا مؤبدًا ومؤقتًا من النساء. فبيَّن المؤبد سواء كان من النسب أو من الرضاعة، ثم بعد ذلك أخذ ليبين لنا شيئًا على سبيل المثال من المؤقت، فقال:
﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 23]
مبدأ فورية القوانين القرآنية وعدم الأثر الرجعي في التشريع
وقوله ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ قد تكرر مع قوله تعالى:
﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22]
وذكرنا عندها أن فورية القوانين في هذا المبدأ القرآني العظيم، وأن فورية القوانين هي أن القانون يبدأ الآن من غير أثر رجعي، لكنه يبدأ الآن.
فإذا ما نزلت الآية وكنتَ جامعًا حينئذٍ بين أختين، وجب عليَّ من الآن أن أختار واحدة منهما وأن أترك الأخرى. لكنني لي أولاد من هذه وأولاد من هذه، [فالنسب] باقٍ على ما كان، فقد عفا الله عما سلف. ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وزواجي بها لم يكن حرامًا، لم يكن حرامًا؛ لأن الحرام إنما يأتي بنص ولم يكن هناك نص.
لماذا لم يكتفِ القرآن بمنع الجديد فقط دون العفو عن القديم
إذن فلماذا لا تتركني وتمنع الجديد؟ تمنع أن يجمع الرجل بين أختين [من الآن فصاعدًا].
لفورية القوانين، لو كان [الله سبحانه وتعالى] يريد أن القانون يمنع الجديد دون القديم لما قال ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، كان يقول: لا نبدأ بعدها، أي لا نبدأ بعدها [بالجمع بين الأختين].
لكن نحن بدأنا قبلها، صحيح. حينئذٍ ما عليه؟ قُم، الذي كان متزوجًا من اثنتين [أختين] فليبقَ متزوجًا، ولكن لا يتزوج أحد بعد ذلك أختين.
لكن لا، هذا [القرآن] يقول لك: نعم، أنا سأعفو عنك، لن أحاسبك يوم القيامة على أنك تزوجت أختين. اليوم تنزل الآية، بعد ذلك يجب أن تختار منهما واحدة والأخرى تبقى ليست زوجتك.
﴿وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 23]
علة تحريم الجمع بين الأختين وهي قطع الرحم بين الأقارب
حسنًا، الجمع بين الأختين فقط هكذا هو، أم الجمع بين أمور أخرى أيضًا؟ نجد فيها العلة التي توجد فيما بيننا [أي في الجمع] بين الأختين.
حسنًا، والعلة ما هي؟ أن ذلك عندما يتزوج رجل من امرأة ثم يتزوج من امرأة أخرى، فإننا نسمي الثانية الضرة؛ لأن كلًّا منهما تضر الأخرى.
النساء لا يعجبهن أن تُسمى الثانية ضرة ولا الأولى كذلك، يُرِدْنَ أن نقول إنها درة بالدال وليس بالضاد. المسألة ليست كذلك، المسألة أن كل امرأة تحب أن تكون وحدها.
هذا هو، الله أحل الزواج بأكثر من واحدة فهو مباح، لكنه يسبب ضررًا ما، يسبب ضررًا ما، هذا الواقع كذلك، لن نخدع أنفسنا.
حديث النبي في تحريم الجمع بين المرأة وخالتها وعمتها لقطع الرحم
حسنًا، تزوجتَ امرأة وذهبتَ لتتزوج أختها، نعم الضرر هنا بليغ. فيقول فيه رسول الله ﷺ:
قال رسول الله ﷺ: «فإنه أقطع للرحم»
حسنًا، افترض تزوجتَ عليها خالتها، أيضًا أقطع للرحم. هذه خالتها، كانت تلعب معها إذا كانت في سنها، أو التي ربَّتها.
طيب، وعمتها؟ أجل، أقطع للرحم طبعًا؛ لأن هذه عمتها. طبعًا أمها غير ممكن؛ لأنه قد حُرِّمت [الأم] بالعقد [تحريمًا مؤبدًا].
فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
قال رسول الله ﷺ: «لا تُجمع المرأة على خالتها، ولا على عمتها، فإن ذلك أقطع للرحم»
إذن وضعنا أيدينا على العلة المشتركة بين الجمع بين امرأتين [من ذوات القرابة].
تحريم الجمع بين الأختين والمرأة وعمتها وخالتها تحريم مؤقت لا مؤبد
فذهب العلماء، لما معهم الحديث — هذا أخرجه البخاري — ومعهم الآية في التحريم بين الجمع بين الأختين، فيبقى:
- الجمع بين الأختين.
- والجمع بين المرأة وعمتها.
- والجمع بين المرأة وخالتها.
هذا تحريم مؤقت، ولا يعني أن الأخت أو العمة أو الخالة أصبحت من المحارم [تحريمًا مؤبدًا]. كما قلنا في الحماة إنها صارت أمي [أي محرمة مؤبدًا]، وفي زوجة الابن لما قلنا إنها صارت ابنته، ابنة أبي في قوة ابنة أبي. يعني لا، هذا جمعٌ، أي محرَّم مؤقت.
قاعدة العلماء في تحريم الجمع بين امرأتين بافتراض إحداهما ذكرًا
طيب، فوضعوا قاعدة، أي القاعدة تقول: أنه يحرم الجمع بين امرأتين إذا فُرِضت إحداهما ذكرًا حَرُم عليه أن يتزوج بالأخرى، في الاتجاهين.
في الاتجاهين، ما معنى هذا الكلام؟ أريد شرحه: في امرأة وفي أخرى، ما هي المرأة والأخرى؟
دعونا نفترض أن هناك فتاة وأختها، اسمها سوسن وسنية. سوسن هذه سنتذكرها رجلًا، سنعتبرها رجلًا. سوسن، هل يجوز لهذا الرجل أن يتزوج سنية؟ لا؛ لأنها أخته.
تطبيق قاعدة الاتجاهين على مثال الأختين سوسن وسنية
لا نكتفي بذلك، قال لك في الاتجاهين. في الاتجاهين، هذه تضعها داخل دائرة؛ لأن بعض الناس العاملين بالعلم ينسونها. في الاتجاهين، يجب أن نقول:
طيب، سنية لو افترضناها ولدًا، هل يجوز لها أن تتزوج سوسن؟ أيضًا لا؛ لأنها تبقى أيضًا أخوها وهي أختها، لا يصلح.
وثانيًا، ونحن نحل المسائل، لا نكتفي بتحويل طرف واحد؛ لأنه في بعض المسائل إذا أردنا أن نعكسها لا تنعكس، فيبقى يحل [الجمع بينهما].
مثال البنت وزوجة أبيها وتطبيق قاعدة الاتجاهين عليهما
مثل ماذا؟ قال لك مثل البنت وزوجة أبيها. يعني أنا متزوج من امرأة، هذه المرأة لها زوجة أب [أي امرأة أخرى لأبيها]. فهل يجوز له أن يتزوج البنت وزوجة أبيها؟
هيا نحل المسألة: لو كانت هذه البنت ولدًا — البنت ستتزوجها أم تزوجتها؟ كانت ولدًا — أنا متزوج من فتاة اسمها ماذا؟ اسمها عفاف، وامرأة أبيها اسمها عطيات.
فعفاف حولناها إلى ولد سميناه أحمد. هل يجوز [لأحمد] أن يتزوج عطيات؟ لا يجوز؛ لأنها امرأة أبيه.
عكس المسألة بتحويل عطيات إلى ذكر وبيان جواز الجمع بينهما
حسنًا، جيد هكذا. طيب، عطيات سنحولها إلى ولد وسنسميه فتحي. هل فتحي يتزوج عفاف؟ نعم، يتزوجها. هذا فتحي — عطيات تحولت إلى فتحي — هذا غريب عن العائلة، نعم يتزوج عفاف.
فيكون إذن ليس من الجهتين، فيكون يجوز لي أن أجمع بين عفاف وبين عطيات.
لماذا؟ لأنني لو افترضت كل واحدة منهما ذكرًا، مرة نفعت [أي حَرُم الزواج] ومرة لم تنفع. لكن لو مرة نفعت والثانية نفعت فيحرم عليَّ الجمع. مرة واحدة ومرة أخرى يبقى ما لا يحرم عليَّ الجمع.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم.
