سورة النساء | حـ 616 | 24 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 616 | 24 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • ذكر الله تعالى في سورة النساء "والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم"، وهو نظام قد انتهى والحمد لله.
  • الشرع الشريف يتطلع إلى العتق وإنهاء العبودية، ولما انتهى الرق لا يجوز القياس عليه.
  • ادعاء أن الخدم في البيوت كملك اليمين هو جهل محض لا علاقة له بالفقه أو الدين.
  • الرق انتهى إلى غير رجعة، وبدل العتق في الكفارات أصبح إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو الصيام.
  • يذهب الحكم بذهاب المحل، وذهاب الرق مقصود في الشرع عكس أمور أخرى كالتعامل بالأوراق النقدية بدل الذهب.
  • الزواج الشرعي يقوم على ثلاثة أمور: اختلاف الجنس، مراعاة هيكل القرابة، وعقد يكشف عن الرضا.
  • لا يجوز أن يتزوج رجل من رجل أو امرأة من امرأة مهما تطورت الدنيا.
  • المحافظة على كلام الله وشرعه هي سبيل النجاة والحفاظ على المجتمع البشري.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

افتتاح الدرس والتعريف بموضوع ملك اليمين في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾ [النساء: 24]

أي أباح للمسلمين ملك اليمين، وهو نظام قد انتهى والحمد لله رب العالمين.

تطلع الشريعة الإسلامية إلى العتق وإنهاء نظام الرق نهائيًا

فإن الشرع الشريف كما نص الفقهاء في كتبهم عبر القرون يتطلع إلى العتق. فلما جاء وضعٌ في العالم يدعو إلى العتق وافقنا عليه؛ لأنه يتسق مع الشرع الشريف في تطلعه للعتق وإنهاء العبودية.

ولما انتهت العبودية لا يجوز القياس عليها. فخرج أحدهم يدّعي أن الخدم في البيوت كملك اليمين، هذا جهل محض ودعوة لا دليل عليها، وكلام لا علاقة له لا بالفقه ولا بالدين ولا بالتقوى ولا بالورع ولا بالحلال والحرام ولا بغيره.

فإن الرق قد انتهى إلى غير رجعة، والحمد لله رب العالمين.

بدائل عتق الرقبة في الكفارات بعد انتهاء نظام الرق

والعتق والتحرر وإلغاء الرق من [مقاصد] الشريعة. وعلى ذلك فقد جعل الله سبحانه وتعالى من كفارات الذنوب عتق رقبة، مرة يقول مؤمنة ومرة يُطلق.

ويقول بعض الناس: كيف نعتق رقبة الآن وقد ذهب الرق؟ الحمد لله أولًا أنه ذهب، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل لنا بديلًا عن عتق الرقبة في صورة إطعام عشرة مساكين، في حالة [كفارة] ملك اليمين في صورة كسوتهم، في صورة الصيام.

ولذلك فهذا بدلٌ عن هذا، فلما زال المحل لم يذهب الحكم بالكلية، بل زالت مسألة العتق؛ لأنه والحمد لله لم يعد هناك أحد من الناس تحت ملك اليمين.

بطلان الاتجار بالبشر وتحريم إعادة نظام الرق في العصر الحديث

اخترع شياطين الجن والإنس عودة الرق مرة أخرى، فإنهم يبيعون أبناءهم في الدول الفقيرة من أجل أن يستخدموهم كخدم وكعبيد كما هو الحال في الدول الغنية. وهذا باطل لا يُقرّه الشرع، وهم على حريتهم الأولى.

وإذا استمروا يخدمون فإنما يخدمون وهم أحرار، ولا يجوز لمسلم أن يتعدى هذا ويقول إن هذا بملك اليمين، فهذا حرام متفق على حرمته.

واخترع شياطين الجن والإنس أن يتاجروا بالبشر، وهذا حرام؛ فإن الحر لا يدخل تحت اليد.

تكريم الله للإنسان وتحريم تحويله إلى سلعة تُباع وتُشترى

ولقد خلق الله الإنسان وكرّمه:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]

وأعزّه وسخّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه سبحانه وتعالى، وأسجد له ملائكته تكريمًا له ورفعًا لشأنه.

فلا يجوز أن يتحول [الإنسان] إلى سلعة إلا بإذن الله، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى ودفعنا إلى التحرر، ولقد حررنا الأمر وانتهى.

قاعدة ذهاب الحكم بذهاب المحل وتطبيقها على ملك اليمين

﴿وَٱلْمُحْصَنَـٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾ [النساء: 24]

إذن يذهب الحكم بذهاب المحل، هذه قاعدة هكذا في الأصول، يقول [العلماء]: يذهب الحكم بذهاب المحل.

يعني أنت لك يد، ربنا قال لك اغسل يدك في الوضوء، لا قدّر الله انقطعت اليد، فستغسل ماذا؟ لن تغسل [شيئًا]. فيبقى الحكم كما هو أنه يجب على الناس أن تغسل أيديها، ولكن ليس لديّ يدٌ أنا. فكذلك هنا ذهب المحل.

التفريق بين ذهاب المحل المقصود وغير المقصود في الشريعة

ذهاب المحل هذا مقصود في الشرع أم غير مقصود؟ أحيانًا يكون مقصودًا وأحيانًا يكون غير مقصود.

مثل ماذا؟ الرق هذا مقصود أن يذهب. أما الذي ليس بمقصود أن يذهب: أن يتعامل الناس بالأوراق النقدية دون الذهب والفضة. الشرع لم يقل هذا، لا يحب هذا؛ لأن الشرع لا يحب التضخم، والتضخم هذا آتٍ من الأوراق النقدية؛ لأنه لو كان ذهبًا وفضة لما حدث تضخم.

دعوة الشرع إلى وحدة الأمة وبدائل نظام الخلافة في العصر الحديث

الشرع يدعو إلى الوحدة وليس فقط إلى الاتحاد، بل يدعو إلى الوحدة. والوحدة تتمثل في أمة يجب أن يكون على رأسها رأسٌ للأمة يدبّر شؤونها، كان اسمه الخليفة.

ذهبت الخلافة، خطأ أنها تذهب الخلافة ولكنها ذهبت، انتهى. فيبقى إذن يذهب حكمها ويأتي بدلًا منها ماذا؟ الذي يُبدل الخلافة: رئاسة الدولة، مرة تكون ملكية، مرة تبقى جمهورية، مرة تبقى فدرالية، مرة تبقى كذلك، لا يوجد مانع لكنها بدلٌ عن الخلافة.

هل الشرع دعا إلى ترك الخلافة؟ لا، ولم يدعُ إلى ترك الذهب والفضة ولا إلى [ترك] الخلافة، لكنه دعا إلى إنهاء الرق. فيبقى مرة يكون [ذهاب المحل] مقصودًا ومرة يكون غير مقصود.

عدم التناقض بين وحدة الأمة ورعاية الدولة لمواطنيها

هل سيحدث شيء لو الأمة اجتمعت على نفرٍ من بني آدم يرعى شؤونها أمام العالم؟ أبدًا لن يحدث شيء، حتى لو كانت الدولة ترعى مواطنيها وهناك أمة قلبها متحد، فلا يحدث شيء ولا يحصل شيء [من التعارض]؛ لأنه لا يوجد تناقض بين هذا وذاك.

حرمة العلاقات خارج عقد الزواج وفرضية الزواج الشرعي

كتاب الله عليكم، ربنا كتب عليكم هكذا، وما كتبه الله سبحانه وتعالى كان فرضًا، ومخالفة الفرض إثم.

فإنشاء علاقة غير شرعية بين الرجل والمرأة خارج عقد الزواج إثم.

أركان عقد الزواج الثلاثة: اختلاف الجنس ومراعاة القرابة والعقد

إذن يبقى إذا كانت قضية الزواج عندنا مبناها:

  1. أولًا: اختلاف الجنس، فلا يجوز أن يتزوج رجل من رجل ولا امرأة من امرأة، بل يجب أن يتزوج رجل من امرأة أو امرأة من رجل، اختلاف الجنس أولًا.

  2. ثانيًا: مراعاة هيكل القرابة نسبًا ورضاعًا، فلا يجوز أن أتزوج من أمي ولا أختي ولا بنتي ولا عمتي أو كذا.

  3. رقم ثلاثة: أن يكون ذلك بعقد يكشف عن الرضا.

هذه ثلاثة أمور يقوم عليها عقد الزواج.

رفض زواج المثليين والتمسك بشرع الله في اختلاف الجنس

الثلاثة هذه: أن رقم واحد يكون هناك اختلاف في الجنس، فلا يصح أن يأتي أحد ويقول لي: والله إن الدنيا تطورت والرجل الآن أصبح يتزوج رجلًا. فنقول له: لا يصح عندنا.

ستظلون متخلفين هكذا؟ نعم، سنبقى متخلفين هكذا! سنبقى محافظين على كلام الله، سنبقى محافظين على الإنسان الذي تريدون قتله، على الإنسان الذي تريدون إذلاله.

ولا أن تتزوج المرأة أيضًا امرأة؟ ولا أن المرأة تتزوج امرأة.

حكمة الزواج بين الرجل والمرأة لعمران الكون ورفض دعاوى التطور

الرجل يتزوج المرأة من أجل عمران الكون، ربنا خلق الدنيا هكذا، خلق لكلٍّ خصائص ووظائف وأقامهم في مراكز.

لكن [يقولون]: انتهى الأمر، لقد تطورت الدنيا وانتهى الأمر، والحمد لله الدولة الفلانية والدولة العلانية والدولة التركانية! ها هو زنبور يطنّ على خراب عشّه.

انظروا كيف ينهار المجتمع البشري؟ نحن لا نريد أن ننهار.

الرد على المستهزئين بالمؤمنين والختام بآيات سورة المطففين

يا متخلفون! نقول لهم: لا بأس.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓا إِلَىٰٓ أَهْلِهِمُ ٱنقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين: 29-31]

انتهى، موعدنا يوم القيامة:

﴿فَٱلْيَوْمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا مِنَ ٱلْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى ٱلْأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين: 34-36]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.