سورة النساء | حـ 617 | 24 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 617 | 24 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشير الله في سورة النساء إلى ما أحله لنا بقوله: "وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين".
  • العقد هو اتفاق إرادتين، والإرادة أمر باطني يتصف بكونه خفياً وغير منضبط، فلا يمكن الاطلاع على ما في قلب الإنسان.
  • الرضا في القلب متفاوت في درجاته ولذلك وجب التعبير عنه بالألفاظ الظاهرة المنضبطة التي تكشف عما في القلب.
  • عقد الزواج من أخطر العقود ويتطلب ألفاظاً صريحة كقول المرأة "زوجتك نفسي" أو قول الولي "زوجتك ابنتي" ويرد الزوج بقوله "قبلت".
  • اختلف الفقهاء في صيغة العقد، فالإمام الشافعي تشدد واشترط لفظ "زوجتك" صراحة، بينما أجاز أبو حنيفة العبارات المتعارف عليها مثل "أعطيتك ابنتي".
  • يجب ألا تكون الصيغة على سبيل الحكاية، وأن يتم العقد بحضور الشهود.
  • وصف "محصنين غير مسافحين" تأكيد على جدية العقد وخروجه عن دائرة الزنا.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان ما أحل الله بعد ذكر المحرمات في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعد أن بيّن لنا ما حرّم علينا ابتداءً وتأقيتًا:

﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ﴾ [النساء: 24]

أرشدنا [الله سبحانه وتعالى في هذه الآية] إلى العقد.

حقيقة العقد وصفتا الإرادة الباطنية من الخفاء وعدم الانضباط

والعقد اتفاق إرادتين، والإرادة أمر باطني تتوفر فيه صفتان: أنه خفيّ، وأنه غير منضبط.

الإرادة في داخل قلبي؛ هل تراني أنا أريد أن أبيع أم لا أبيع؟ الساعة هذه أنت لا تراني، الذي في قلبي وأنا جالس هكذا وأفكر أن أبيع الساعة، أنت لا تعرف. الله لم يجعل لك اطلاعًا على قلبي، فهو خفيّ، سمّوه ما هذا؟ خفيّ.

وبعد ذلك أيضًا الذي في قلبي هذا غير منضبط. لماذا؟ يمكن أن تكون هذه الساعة عزيزة عليّ جدًّا، لكن لماذا سأبيعها؟ أحتاج إلى المال، أبيعها على عيني.

مثال عملي على عدم انضباط الرضا في البيع وتفاوت درجاته

يقولون هكذا: عرضتها عليك، قلتَ لي هذه لا تساوي ثلاثة صاغ، هي بعدة آلاف وأنت تريد ساعة فقط، ووافقتُ لشدة احتياجي إليها. إذن لا يوجد رضا كامل.

هل هذا الرضا الذي في قلبي منضبط أم له درجات وأنواع؟ وعند بيعها أبيعها وأنا حزين، في حين أنها فعلًا لا تساوي إلا ثلاث صاغ، وأنت قلتَ لي سأشتريها بألف جنيه، فأصبحتُ فرحانًا ومضطربًا؛ لأنها تجلب أكثر مما أتوقع ومما أريد.

وجوب التعبير بالألفاظ عن الإرادة الباطنية لانعقاد العقد

يبقى إذا كان الرضا خفيًّا وغير منضبط فماذا نفعل؟ قال: يجب بالألفاظ، يجب أن تكشف الألفاظ عن قولك.

بعتُك، نعم بعتُك هذه قلتَها بلسانك، نعم. إذن الأستاذ هذا قد سمعها وسيشهد أمام القاضي أنني قلتُ: بعتُك بألف، في هذه الساعة بألف. قم أنت قلتَ: اشتريتُ، هو سمعها أيضًا يشهد.

آه، لماذا؟ لأنها صارت ظاهرة منضبطة، وقبل ذلك كانت خفية غير منضبطة.

قاعدة العقود ألفاظ كاشفة عما في القلب وتطبيقها على عقد الزواج

إذن العقود ألفاظ، هذه القاعدة التي ستحفظونها: العقود ألفاظ كاشفة عمّا في القلب.

فواحد يريد أن يتزوج واحدة وهي تريد أن تتزوجه، هذا ليس عقدًا. جلسوا أمام بعضهم البعض هكذا ونظروا لبعضهم البعض، وبعدها لم يقولوا له شيئًا باللسان.

بعد ذلك قالت له: أنا فهمتُ أنك تريد أن تتزوجني، فسكت. لا يوجد عقد. أو هو قال لها: أنا شعرتُ هكذا أنك تريدين أن تتزوجيني، فسكتت. لا يوجد عقد.

بطلان الاستدلال بالإشارات والنظرات في إثبات عقد الزواج

أو لم يتكلموا، وذهبت هي قالت لصديقتها: هذا يريد أن يتزوجني. قال لكِ؟ قالت: لا، لكن فهمتُ من عينه. لا ينفعنا [ذلك في إثبات العقد].

وذهب فقال لأصحابه: أنا أريد هذه الفتاة وسأتزوجها حتمًا وهي موافقة. قالت لك؟ قال: لا، لكن رأيتُ هكذا الفرحة في عينيها. فرحة ماذا؟ هذا لا ينفع!

هذه أمور خفية، ما يمكن كانت فرحة لأنك ستختفي من وجهها الآن! ما هذا؟ فإذا هذا خفيّ غير منضبط، يجب أن يكون ظاهرًا منضبطًا، فلا بدّ منه.

خطورة عقد الزواج ووجوب الألفاظ الصريحة فيه من إيجاب وقبول

﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ﴾ [النساء: 24]

لازم من العقد، وعقد الزواج من أخطر العقود؛ ولذلك لا بدّ فيه من الألفاظ الصريحة.

فتقول المرأة للرجل: زوّجتُك نفسي، فيقول الرجل لها: قبلتُ فتزوّجتُك. أو يقول الوليّ: زوّجتُك ابنتي، فيقول: قبلتُ.

لا على سبيل الحكاية؛ أي وأنا أجلس أشرح لكم الآن قلتُ: زوّجتُك ابنتي، فقام الشيخ علي وقال: قبلتُ يا مولانا! لا يصحّ هذا، أنا أحكي. لا يصحّ أن يقول أحد: أنا يا مولانا انتهى الأمر فالبنات تزوّجن جميعهن! لا يصحّ هذا، فأنا أحكي.

اشتراط صيغة الماضي والجزم في ألفاظ عقد الزواج مع اتحاد المجلس

وانتبه، فلا بدّ ألّا يكون [اللفظ] حكاية، ويكون بصيغة الماضي: زوّجتُك، يعني جزم.

ويتقابلان في نفس المجلس، فيقول: قبلتُ. فلمّا يأتي يقول: زوّجتُك ابنتي، نعم يُعتمد. إذن هذا الكلام، أو هي تقول: زوّجتُك نفسي، فيقول: قبلتُ، يكون هو القبول والإيجاب.

وبعد ذلك يأتي الشهود يسمعون إذن هذا الكلام، الشهود يسمعونه.

رأي الإمام الشافعي في اشتراط لفظ التزويج الصريح دون لفظ الإعطاء

الإمام الشافعي يقول لك فورًا، الشافعي يقول لك: فلنفترض أن أحدًا قال للآخر: أنا أعطيتُك ابنتي. نحن في مصر نقول هكذا، هذا أعطاه ابنته، أعطاه ابنته يعني زوّجها له.

قال [الشافعي]: لا يصلح! لا يصلح لي أنا أعطيتُك ابنتي، لا تصحّ. يجب أن تقول له ماذا؟ زوّجتُك ابنتي.

لماذا؟ قال: لأن هذا عقد خطير جدًّا، فيجب ليكن بالصراحة المريحة. أعطيتُك ابنتي أي لكي تعمل عندك سكرتيرة؟ لكي تخدم في البيت؟ لأجل ماذا؟ إذن أعطيتُك بناتي أي للزواج، فيجب أن يكون أمرًا واضحًا جدًّا.

رأي الإمام أبي حنيفة في جواز لفظ الإعطاء إذا دلّ عليه العرف

سيدنا الإمام أبو حنيفة قال: لا، ما دام العرف الخاص بالبلد أنّ "أنا أعطيتُك بناتي" معناه زواج، فيكون زواجًا، ما دام هناك شهود وهناك [ما يدلّ على ذلك] وفي ذلك [قرائن كافية].

وبعد ذلك قال له: أنا أعطيتُك ابنتي، فيكفي ذلك [عند أبي حنيفة].

الإمام الشافعي تشدّد قليلًا وقال: لا، يجب أن نقول زوّجتُك ابنتي كما نجري عليه الآن في الكلام. لماذا؟ قال: لخطورة ذلك العقد.

معنى محصنين غير مسافحين والتحذير من التلاعب بعقد الزواج

﴿مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَـٰفِحِينَ﴾ [النساء: 24]

محصنين، أليس كافيًا ذلك؟ محصنين يعني خرجتم عن نطاق الزنا والفاحشة إلى نطاق الزواج الصحيح المقبول عند الله، بعدما توافرت شروط من اختلاف الجنس، ومن عدم القرابة المحرّمة نسبًا ولا صهرًا ولا رضاعة، ومن أنه عقد تأكيدًا.

وللخطورة يقول لك: لماذا يكرّر عليك هذا؟ يحذّرك! غير مسافحين: احذر أن تكون تلعب بالعقد، هذا العقد هذا ليس فيه لعب.

ثم بعد يتحدث عن حكم آخر حول المهر، سنتناوله في حلقة أخرى. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.