سورة النساء | حـ 619 | 25 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 619 | 25 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص الآيات المتعلقة بالزواج في سورة النساء، مبيناً حكم من لا يستطيع نكاح المحصنات المؤمنات لعدم القدرة على النفقة.
  • الإيمان يثبت بالشهادتين، ولا ينبغي التفتيش في قلوب الناس أو الحكم على إيمانهم، فمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو مؤمن.
  • أوجب الله نكاح الفتيات بإذن أهلهن وإعطاءهن مهورهن، مع تحذيره من السفاح واتخاذ الأخدان (العلاقات المحرمة).
  • خفف الله عقوبة الإماء إلى النصف لنقص حريتهن وإرادتهن، وهذا يعلمنا منهج مراعاة الظروف في تطبيق الأحكام.
  • أوقف عمر بن الخطاب حد السرقة عام الرمادة، وأوقف سهم المؤلفة قلوبهم، مراعاةً للظروف وفهماً لمقاصد التشريع.
  • في زماننا الذي قل فيه الصبر، علينا التحلي بالصبر، وأجر العامل في هذا الزمان عظيم، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في تعليم الله لنا أحكام الزواج الشرعي في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى وهو يعلمنا كيف نتعامل مع مسألة الاجتماع البشري من خلال الزواج المعتبر شرعًا أو النكاح المعتبر شرعًا.

﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا﴾ [النساء: 25]

والطَّوْل هو [القدرة] على النفقة؛ ما معي مهر وما عندي شقة.

﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَـٰتِ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ [النساء: 25]

[أي] الحرائر.

﴿فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُم مِّن فَتَيَـٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ﴾ [النساء: 25]

من ملك اليمين الذي لم يعد له وجود الآن.

معيار الحكم بالإيمان هو الشهادتان لا التفتيش في القلوب

﴿وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَـٰنِكُم﴾ [النساء: 25]

وهنا ما الذي عرّفني أن هذه امرأة مؤمنة أو أن هذه فتاة مؤمنة أم ماذا؟ ما الذي يعرّفني عليه؟ قال له [الله سبحانه وتعالى]: أنا لم آمرك أن تدخل في قلبها لترى إن كانت مؤمنة أم غير مؤمنة، ولم آمرها أن تدخل في قلبك لترى إن كنت مؤمنًا أم غير مؤمن.

هذا حكمي لمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ له بالإيمان وحسيبه ربه. فهذه هي الشهادة، الشهادتان.

لكن [أن] يُهيَّأ لي بأن أقول إنه بدأنا الضلال، يُهيَّأ لي إنه ليس مسلمًا وإنه ليس مؤمنًا، فهذا يسمى التفتيش. إطلاقًا، فهو مسلم ومؤمن، ولم يطلب النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا زائدًا من الناس سوى أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

معنى قوله تعالى بعضكم من بعض وأنكم تعيشون معًا فلا تفتشوا

﴿وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 25]

وقرّ [الله تعالى] فقال:

﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [النساء: 25]

من بعض، ما لها علاقة بالعبارة الأولى؛ لأنها مرفوعة "بعضُكم" وليس "بعضَكم"، كانت ستبقى "والله أعلم بإيمانكم وكم"، هذه "بعضُكم من بعض"، بعضكم بعضًا، ما هي كذلك، هذه هي "بعضُكم من بعض".

فتكون جملة ابتدائية كذلك، وهو [الله سبحانه وتعالى] يقول إنكم تعيشون مع بعضكم البعض، أنتم مع بعض، فلا بد من الظهور [بالإسلام]؛ فما دام رأيت أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله فقد أصبح مسلمًا، فلا تفتشوا فوق هذا.

وجوب النكاح بإذن الأهل وخطورة الزواج بدون موافقتهم

﴿فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25]

لا تخطفوا؛ لأنه بعد ذلك يمكن أن تكرهها فتجدها في الشارع قد ضيّعتها، أضاعك الله، لا تفعل.

﴿فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25]

والتجارب المريرة التي تزوجت فيها الفتيات من غير إذن أهليهن تثبت أن هذا الإرشاد الرباني تقوم عليه الحياة.

﴿فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَـٰتٍ غَيْرَ مُسَـٰفِحَـٰتٍ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍ﴾ [النساء: 25]

الفرق بين السفاح واتخاذ الأخدان وكلاهما فاحشة توجب الحد

والعياذ بالله تعالى، متخذات أخدان يكون فيه نوع من أنواع الصحبة المستمرة في الحرام الذي هو شاع وذاع في أمم غيرنا.

مسافحات يكون واحد يذهب يزني ويمشي ولا يرجع ثانية، يعني هي واحدة زنى معها في ليلة حتى لا يعرف اسمها ما هو. ولكن متخذات أخدان لا، هذا رفيق، هذا مرافقها ويمشي معها في الرفق سنين طويلة، حتى ظن في نفسه أنها له وأنها ظنت أنه لها من غير زواج.

هذا زنا وهذا زنا، وهذا خسيس وهذا خسيس، وهذا فاحشة يستوجب الحد وهذا كذلك يستوجب الحد. فربنا حذّرنا من الأمرين: من السفاح ومن اتخاذ الأخدان؛ ما هما إلا صورتان مختلفتان لكنهما تندرجان تحت الفاحشة.

تخفيف العقوبة على الإماء لنقصان إرادتهن وحريتهن بسبب الرق

﴿فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَـٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [النساء: 25]

لماذا؟ لأن من أخرجها من جانب الإنسان إلى جانب الأشياء وجعلها قابلة للتصرف وأخذ منها حريتها، فلم تعد بكامل إرادتها، فلم تعد على نفس الدرجة من المؤاخذة؛ ولذلك خفف الله عنها هذا الصنف وجعل عليها نصفًا.

﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَـٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ﴾ [النساء: 25]

العذاب [هنا هو الجلد]:

﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]

حسنًا، وفي العبيد خمسون فقط. لماذا؟ ألم أرهقتها؟ ألم تتركها تدور حول نفسها؟ أصبحت درجة ثانية، وما دامت أصبحت درجة ثانية فيجب أن يُخفَّف عنها العذاب؛ أصبح لأن إرادتها الكاملة وشعورها بالحرية وبالعزة قدحنا فيها، فنخفف عليها.

الاستفادة من مبدأ مراعاة الظروف في التشريع وتطبيقه في عصرنا

طيب الرق انتهى، سوف نستفيد من ذلك بماذا؟ بالتوائم [أي بالتوازي]؛ بأنك عندما تكتب القوانين تشرّع للمجتمعات تراعي الظروف؛ لأن ربنا يعلمنا كيف أننا نتعامل مع الأمور المختلفات بطرق مختلفة تحقق العدالة وتصل إلى المقصود.

هذا الذي نأخذه، يعني المنهج الرباني هكذا يأمرنا بأن نفهم ونقدّر ونعدل ونحقق المقصود. لم يقل لا نعذبهم أبدًا، لا، نعذبهم ولكن بما يتوائم مع حالتهم.

فكذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا نقيم الحدود في دار الحرب وألا نقيم الحدود زمن الحرب. قال: لا نقيم الحدود حتى في البحر، ننتظر حتى نعود إلى البر. وقال لا، يعني أشياء غريبة.

هذا يقول لك ماذا؟ يقول لك: راعِ الظروف.

اجتهاد سيدنا عمر في إيقاف الحد وسهم المؤلفة قلوبهم مراعاة للظروف

فسيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] جاء وأبطل الحد أو أوقفه عام الرمادة [عام المجاعة]، قال: هذا ليس عدلًا. هذا، وأوقف سهم المؤلفة قلوبهم، قال: لا، هذا ذهب المحل [أي انتهى سببه].

والله هذا منصوص عليه في القرآن! قال [عمر]: أنا أعرف، لكن فكر القرآن هذا المطلق، هذا المتجاوز للزمان والمكان، أنت إذن فكّر كيف تطبق؟

الصبر عن الحرام في زمن الفتن وأجر الصابر كأجر خمسين من الصحابة

حسنًا:

﴿ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ﴾ [النساء: 25]

العنت الذي هو الزنا.

﴿وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النساء: 25]

فماذا نفعل في عصرنا؟ في عصرنا هذه السعة، الصبر جميل. إذن هذا زمن نسميه زمن الصبر.

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]

وأجر العامل منكم كأجر خمسين من الصحابة الكرام، كما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. قالوا: منا أم منهم يا رسول الله؟ قال:

«بل منكم؛ فإنكم تجدون عونًا على الخير وهم لا يجدون»

آمنا بالله وصدقنا برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

دعاء الختام بالحشر تحت لواء النبي والاستيداع

فاللهم احشرنا تحت لوائه يوم القيامة، وأعزنا به في الدنيا والآخرة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.