سورة النساء | حـ 623 | 29 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 623 | 29 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يحرم الله تعالى في سورة النساء أكل الأموال بالباطل وقتل النفس، مركزاً على حماية المقاصد الخمسة: النفس، العقل، الدين، العرض، والمال.
  • يشمل أكل المال بالباطل: السرقة التي تتم في الخفاء، والاغتصاب الذي يكون علناً كالبلطجة، والسحت وهو ما يُدفع للحصول على الحق، والرشوة التي تُدفع لأخذ حق الغير.
  • حرّم الله الربا والقرض الذي يجر نفعاً دون تقليب للأموال أو تجارة.
  • استثنى الله التجارة عن تراضٍ من المحرمات، فالتاجر يشتري ويبيع بربح معقول.
  • قال النبي: "اتركوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض"، لحث الناس على العمل التجاري دون تدخل.
  • التجارة مهارة في الإدارة، والتاجر الماهر يعرف كيف يخرج من الصفقة قبل الدخول فيها.
  • حرّم الله قتل النفس ويشمل ذلك الانتحار وقتل الآخرين.
  • تظهر في الآية صفة الرحمة لله سبحانه وتعالى.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تلاوة آية تحريم أكل الأموال بالباطل وقتل النفس من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ما يزال يعلمنا الاجتماع البشري ويعلمنا أسسه:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوٓا أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]

تحريم الاعتداء على الأموال والأنفس ضمن المقاصد الخمسة الكبرى في الشريعة

فحرّم [الله] علينا جانب الأموال وحرّم علينا جانب الأنفس؛ اثنان من المقاصد الخمسة الكبار. حرّم علينا الاعتداء على النفس، وعلى العقل، وعلى الدين، وعلى العِرض وكرامة الإنسان، وعلى المُلك والمال.

وهنا [في هذه الآية] تحدّث عن الأولى والأخيرة [أي حفظ المال وحفظ النفس]: إياك والتعرض للمُلك إلا بالرضا، وإياك والتعرض للنفس إلا بالحق الذي هو القصاص؛ فقد قال [الله تعالى] الضابط [في ذلك]:

﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [البقرة: 179]

فقد أشار بالاثنين [حفظ المال وحفظ النفس] إلى المقاصد كلها.

خطاب المؤمنين بتحريم أكل الأموال بالباطل وصور الباطل من سرقة واغتصاب

حسنًا، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ موجّه إلى المؤمنين؛ هذا الكلام فيه تكليف، إذن فلا بد أن يُطبَّق على المؤمنين.

﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾، وصورة الباطل ما هي؟ أن تُؤخذ [الأموال] عن غير رضا؛ فيدخل فيها السرقة، ويدخل فيها الاغتصاب [أي الغصب].

ما الفرق بين السرقة والاغتصاب؟ السرقة تكون في الخفاء، والاغتصاب [الغصب] يكون في العلن. يعني السرقة مثل واحد نشّال سرقك، هجم على البيت وسرق في الخفاء. أما الاغتصاب [فهو] بلطجة؛ إذن وضع يده على قطعة من الأرض، والذي سيتكلم سيُحرَق بالنار. ما هو؟ أيضًا هذا حرام؛ إذن السرقة حرام والاغتصاب حرام.

تعريف السُّحت والفرق بينه وبين الرشوة في أكل أموال الناس بالباطل

والسُّحت وهو ما تُضطر أن تدفعه لتصل به إلى حقك. من حقك أن تأخذ ترخيصًا معينًا، شخص ظالم قام وقال لك: لن أعطيك هذا الترخيص إلا إذا دفعت؛ فهذا يسمونه سُحتًا.

أما الرشوة — والرشوة حرام — لكن الرشوة من أجل أن آكل حق الغير يكون [هذا هو] السُّحت من أجل أن آخذ حقي. والرشوة أدفعها لكي آخذ حق الغير؛ في تموين معين أذهب وأدفع للموظف الرشوة كي يعطيني أنا ولا يعطي لأخي، الحصة التي تخص أخي من الحديد أو من الأسمنت أو من دجاج الجمعية أو من أي شيء تأتي إليّ ولا تذهب لأخي المستحق.

إذن أن أكون قد دفعت لمن بيده الأمر — الذين سماهم القرآن الحكام — من أجل أن آكل فريقًا من أموال الناس بالباطل وأنا أعلم هذا.

قصة طلب الرشوة عند استخراج رخصة السيارة وبيان أنها من السُّحت المحرّم

لكنني ذاهب لاستخراج رخصة سيارة، فقال لي [الموظف]: والله أبدًا ما أنت حاصل عليها، ضبط واتزان.

ما هذا الضبط والاتزان؟ قال لي: يعني السيارة تهتز في يدك يا أخي! هذا أنا أسوق منذ ثلاثين سنة. قال لي: ولو! قلت له: أنا طيار، هذا أنا أهبط بالطائرة! قال لي: لكن السيارة تهتز في يدك، هذه مثل القلادة، مثل القلادة في يدك فتهتز، فلا يوجد [ضبط واتزان].

وفتح الدرج — يعني ضع هنا مبلغًا من المال — إذن هذا، هذا سُحت حرام.

تلخيص صور أكل المال بالباطل من سرقة واغتصاب وسحت ورشوة وربا

إذن هنا انظر إلى العبارة، تقول:

﴿لَا تَأْكُلُوٓا أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ [النساء: 29]

كل هذا باطل: السرقة، الاغتصاب، السُّحت، الرشوة، كل هذا حرام.

الربا كذلك؛ ربنا حرّم الربا وحرّم القرض الذي يجرّ النفع من غير أي نوع من أنواع التجارة ولا تقليب الأموال ولا كذا وكذا. أكل الأموال بالباطل:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوٓا أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ﴾ [النساء: 29]

حماية الملكية، حماية المال.

مشروعية التجارة عن تراضٍ وحديث النبي في ترك الناس يرزق بعضهم بعضًا

وأحدهم يقول لك: حسنًا، ما هي [التجارة]؟ نفسها إلا أنني تاجر أشتري بمائة وأبيع بمائة وعشرين، فأنا آكل العشرين، وبهذه العشرين أذهب فأنزّه أولادي وأوسّع عليهم، وكلما مرّ وقت أزداد غنى من التجارة.

فلماذا لا آتي فأشتري بمائة وأبيع بمائة وواحد؟ لكني لست مشتريًا [فقط بل بائع أيضًا]، فلا ينبغي أن تتعطل الدنيا. ولذلك قال تعالى:

﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]

هذا سعر السوق، وهذا ما قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري:

قال رسول الله ﷺ: «اتركوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»

فلا تجلس لتمارس هيمنة على السوق؛ دع نظام السوق وجهاز السوق يعمل. اتركوا العباد يرزق الله بعضهم من بعض أرزاقًا.

قصة عبد الرحمن بن عوف والتجارة كمهارة في الإدارة وتدبير الخروج قبل الدخول

ما هو السوق؟ سيدنا عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه جاء من مكة وليس معه شيء، قال له [أخوه في المدينة]: دلّني على السوق، فأصبح مليونيرًا.

لماذا؟ لأن التجارة مهارة.

في ماذا؟ قالوا: في الإدارة. إذن التجارة مهارة في الإدارة.

كيف تصبح ماهرًا في الإدارة؟ قال [العلماء]: تدبير الخروج قبل الدخول؛ قبل أن تدخل في صفقة يجب أن تعرف كيف تخرج منها. لكن أن تتراكم عندك البضاعة ويخرب بيتك ويضيع فيه والخسائر وما إلى ذلك، فهذا لا ينفع.

تحريم قتل النفس والانتحار ورحمة الله بعباده في التشريع

﴿إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]

فيصبح حرامًا أن أقتلك وحرامًا أن أقتل نفسي؛ لا ضرر ولا ضرار. حرّم [الله] الانتحار وحرّم القتل.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]

وأيضًا في الدلالة الاستقلالية تبيّن صفات الله [سبحانه وتعالى من الرحمة بعباده في هذا التشريع].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.