سورة النساء | حـ 624 | 29 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 624 | 29 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يشرح النص معنى التجارة في الآية "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم".
  • التجارة تقوم على ثلاثة أركان: الشراء لغرض البيع، وتحقيق الربح، والبيع.
  • إذا فُقد أحد الأركان الثلاثة فلا تعتبر تجارة، فمن اشترى للاستعمال الشخصي ثم باع فليست تجارة.
  • ما ورثه الإنسان أو تلقاه هدية ثم باعه لا يعد تجارة لانعدام ركن الشراء.
  • الشراء بقصد البيع دون نية الربح كما في التعاونيات لا يعد تجارة.
  • الزكاة واجبة في التجارة وتكون على رأس المال العام.
  • تستخرج الزكاة من الفرق بين الأصول المتداولة والخصوم المتداولة.
  • قوله تعالى "ولا تقتلوا أنفسكم" يحمل على الحقيقة بالانتحار، والمجاز بالجهل وقلة العلم.
  • يجوز استعمال اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معاً كلفظ "يصلون" في قوله تعالى "إن الله وملائكته يصلون على النبي".
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة في آية تحريم أكل الأموال بالباطل وأهمية فهم معنى التجارة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوٓا أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]

وهنا نقف لنبحث عن معنى التجارة؛ لأن الله سبحانه وتعالى أباح لنا فيها الربح، ولأن الله سبحانه وتعالى وكأنه أرشدنا إليها، ولأن الله سبحانه وتعالى علّق بها أحكامًا تتعلق بالزكاة.

ومن هنا كان من المناسب أن نقف عند كلمة التجارة حتى نعرف ما معنى التجارة.

تعريف التجارة عند العلماء وأركانها الثلاثة التي لا بد منها

وإذا بحثنا في كلام العلماء الأقدمين استخرجنا من كتبهم أن التجارة هي ذلك النشاط الذي يشتمل على ثلاثة أركان أو أشياء أو مراحل، لا بد من كل واحدة منها، بحيث إنها لو فُقِدت شرطًا أو ركنًا أو مرحلة من هذه المراحل الثلاث فليست بتجارة:

  1. الركن الأول: أن تشتري لغرض البيع.
  2. الركن الثاني: لتحقيق ربح.
  3. الركن الثالث: [أن يجتمع الشراء والبيع وقصد الربح معًا].

الشراء للاستعمال الشخصي ثم البيع بربح لا يُعدّ تجارة

يكون إذا اشتريتَ لا لغرض البيع، إنما اشتريتَ للاستعمال الشخصي وبعتَ فربحتَ، فليست بتجارة، ليست تجارة هذه، لا يُطلق عليها تجارة.

لماذا؟ لأنني عندما كنت أشتري كنت أشتري لأستعملها. اشتريتُ سيارة، أنت رأيتَ السيارة فأعجبتك، فقلتَ لي: ألا تبيعها وأنا مستعد لأجعلك تربح فيها؟ وأنا أخذتها في الطابور يحجزون، فقلتَ لي: لا، سأزيدك عشرة آلاف أخرى وتعطيها لي فورًا.

نعم، لا يوجد مانع، ولكن هذه ليست تجارة. السبب ما هو؟ أنني وأنا أشتريها كنت سأستعملها.

أمثلة على الشراء للاستعمال ثم البيع لا يكون تجارة كالشقة والسيارة

اشتريتُ شقة لابني كي يتزوج فيها، وذهبتُ أبيعها بعد ذلك لأن الولد هاجر إلى كندا، ليست تجارة. اشتريتُ الشقة والولد أحضر قطعة في مكان آخر، أو أحضرنا له بيت العائلة، ليست تجارة.

حسنًا، لم أشترِ هذا، أنا ورثتُ هذه السيارة وبعتها وربحنا فيها. ما هذه بتجارة؛ لأنه ليس فيها شراء.

يجب أن يكون الشراء موجودًا، ويجب أن يكون لغرض البيع، فإن لم يكن لغرض البيع فليس بتجارة. وإن لم يكن فيه شراء، إذا أعطاني أحدٌ سيارة هدية وبعتها فليس تجارة.

حفظ الشروط الثلاثة للتجارة والتعاونيات التي تشتري وتبيع بلا ربح

إذن نحن نحفظ الثلاثة شروط: شراء لأجل البيع لتحقيق ربح، ثلاثة لا ننساهم.

قال لي: وأنا أشتري وأبيع من غير أن أحبّ الربح؟! قلت له: نعم يحدث. قال لي: كيف هذا؟ قلت له: هذا في شيء يُسمّى التعاونيات، يفعلون كذلك؛ يشترون السلع لكي يبيعوها، ليس لكي يحققوا ربحًا، بل لكي يقومون بخدمة للمجتمع والناس.

مثال شراء قطعة أرض لمنع جار سيئ لا لتحقيق ربح فليست تجارة

خذ مثالًا آخر: أنا أخذتُ قطعة أرض، فجاء الحاج تامر يريد أن يأخذ القطعة التي بجانبي. الحاج تامر هذا يعني شيئًا سيئًا جدًّا، وقالوا من قبل: الجار قبل الدار، يعني تبحث عن جارك.

عُرِضت عليّ هذه القطعة، اشتريتها حتى لا يشتريها الحاج تامر، وأنا أنوي بيعها ليس لكي أريد أن أربح. اشتريتها بعشرة آلاف وبعتها بتسعة آلاف، ولكن لكي أمنع شخصًا من أن يأخذها.

لماذا؟ لأنني هربتُ منه وبعتُ البيت القديم لأن ذلك الشخص كان جارنا. قال لي: أنت ذهبتَ إلى هذا المكان؟ قلت له: نعم. قال لي: سأشتري بجانبك، سأشتري بجانبك لكي أخنقك، سأخنقك أنا إن شاء الله! قلت له: حسنًا، أيّ جانب؟ فلا يوجد جانب لي!

فأنا اشتريتها واحتطتُ لهذه الحكاية، ولكن الشراء هنا وأنا أريد أن أبيعها حتى لو خسرتُ فيها أو ربحتُ. اشتريتها بعشرة، بعتها بعشرة، بعتها بتسعة، بعتها بأحد عشر. لم يكن الغرض هو تحقيق الربح، كان هناك شراء وكان هناك بيع، ولكن لم يكن فيه غرض تحقيق الربح، فلا يكون تجارة.

أثر تعريف التجارة على وجوب الزكاة وأمثلة تطبيقية على ذلك

وماذا سيُبنى على ذلك؟ لازلت تقول لنا تجارة وليس تجارة والأركان الثلاثة وهكذا، لماذا؟ الزكاة؛ لأن الزكاة مفروضة على التجارة.

فكل هذه الأسئلة ستُحلّ عندما يأتي أحدهم ويقول لي: أنا اشتريتها من أجل ابني ثم بعتها، فهل عليها زكاة؟ ليس عليها [زكاة].

ويقول لي شخص آخر: أنا أخذتها لكي لا يأخذها الحاج تامر، فأقول له: إذن ليس عليها زكاة.

واحد يقول لي: لم أشترِها، أنا ورثتها وبعتها وربحتُ، فليس عليها زكاة؟ لماذا؟ لأنها ليست تجارة.

إذن سيفيدني هذا الكلام في الفهم العميق عند الإجابة على سؤال الزكاة.

زكاة التجارة تكون على رأس المال العامل وكيفية حسابها

سيأتي يسألك: هل عليها زكاة أم لا؟ أنتم تقولون إن التجارة عليها زكاة. نعم، وعلى الفور عندما يسمع الناس ذلك يأتي إليّ صاحب المؤسسة يقول لي: إذن أنا تاجر فعلًا، أتاجر في القماش، أتاجر في البقالة، عليها زكاة؟ نعم.

فأين الزكاة إذن؟ قلت له: فتكون على رأس المال العامل، على رأس المال العامل. الخصوم المتداولة نطرح منها الأصول المتداولة، فيخرج مبلغ هو هذا المبلغ الذي تجب عليه الزكاة.

حكم من لم يُعدّ ميزانية لسنوات تهربًا من الضرائب وكيفية التوبة

فقال لي أحدهم: لكننا منذ عشر سنوات لكي نتهرب من الضرائب -والعياذ بالله تعالى- لم نُعِدّ ميزانية، فهل علينا إثم؟

فقلت له: عليك إثمان مرتين؛ إنك متخبط لا تعرف كيف تُخرج الزكاة، وأنك هربتَ من الضريبة.

فماذا أفعل؟ حسنًا، نريد أن نتوب إلى الله. التقدير: تُعِدّ إذن السجلات هذا العام، ثم تُقدّر وتنظر هل تزيد أم تنقص وتُقدّر.

وهذا التقدير مقبول عند الله؟ مقبول إن شاء الله. وهكذا، إذن كل شيء له حل، ولكن يجب علينا أن نبدأ.

شرط التراضي في التجارة والعلاقة بين العقد والرضا في البيع والشراء

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوٓا أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]

فيبقى في رضا. التجارة شراء، والشراء عقد، والعقد اتفاق إرادتين كاشف عن الرضا. وبيع، والبيع عقد، والعقد فيه أيضًا الرضا. عن تراضٍ منكم.

تحريم قتل النفس حقيقةً ومجازًا واستعمال اللفظ في الحقيقة والمجاز معًا

﴿وَلَا تَقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29]

كنا من قبل حرّمنا الانتحار وحرّمنا القتل، وحرّمنا أيضًا قلة العقل وقلة العلم؛ لأن هذا أيضًا قتل للنفس، ولكن قتل مجازي.

فعندما يقول ربنا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، طبعًا هي محمولة حقيقةً على قتل النفس، ومحمولة مجازًا على قتل الإنسان بجهالته وأُمّيته أيضًا.

هل يجوز أن يُستعمل اللفظ الواحد في الحقيقة والمجاز معًا؟ يجوز أن يُستعمل في الحقيقة والمجاز معًا.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

صلاة الملائكة غير صلاة ربنا، وهي لفظة واحدة «يُصلّون» استُعملت في الحقيقة والمجاز.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.