سورة النساء | حـ 625 | 29-31 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •حذر الله في سورة النساء من أكل أموال الناس بالباطل وقتل النفس، وتوعد من يفعل ذلك عدواناً وظلماً بإصلائه ناراً.
- •يشترط لاعتبار العمل إثماً أن يكون الشخص قاصداً عالماً مختاراً، حيث رفع عن الأمة الخطأ والنسيان والإكراه.
- •النار المذكورة في الآية جاءت نكرة، فتشمل العقاب في الدنيا والآخرة، وليست محصورة في جهنم.
- •وعد الله بتكفير السيئات لمن يجتنب الكبائر، مما دفع العلماء لتحديد مفهوم الكبائر.
- •تعتبر من الكبائر: ما ورد فيه لعن في كلام الله ورسوله، أو تهديد بالخلود في النار، أو حد شرعي.
- •أمثلة الكبائر: الشرك بالله، عقوق الوالدين، السحر، شرب الخمر، الكذب على الرسول، شهادة الزور، الغش، السرقة، الزنا.
- •أخفى الله الكبائر في الذنوب ليبتعد العبد عن المعاصي كلها، كما أخفى أشياء أخرى مثل ليلة القدر وساعة الإجابة.
مقدمة تلاوة آية تحريم أكل الأموال بالباطل والقتل من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
يقول ربنا سبحانه وتعالى في سورة النساء، ونحن مع كتاب الله نلتمس منه الهدى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوٓا أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَـٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَـٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29]
معنى اسم الإشارة ذلك في قوله تعالى ومن يفعل ذلك وإشارته إلى ما سبق
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ﴾ [النساء: 30]
أول ما نجد «ذلك» يكون اسم إشارة، واسم الإشارة معناه: ما هو؟ «ذا» يشير هكذا، «ذلك» يشير إلى ماذا؟ يشير إلى المضمون الذي سبق. احفظ هكذا: يقول لك أشار إلى مضمون ما سبق.
فتكون الآية التي قبلها عندما قال لك «ذلك» تذهب على الفور لتفسر التي قبلها. والآية التي قبلها فيها ماذا؟ فيها تحريم أكل أموال الناس بالباطل، وفيها تحريم القتل.
فيكون «ذلك» إشارة إلى الآية وإلى هذين الأمرين.
شروط المحاسبة على العمل: القصد والعلم والاختيار في العدوان والظلم
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ﴾ [النساء: 30]
فيكون هذان الأمران هما العدوان على النفس والعدوان على المال عدوانًا وظلمًا. فيكون [الله سبحانه وتعالى قد] رفع الخطأ عن أمته [أمة النبي ﷺ]، ورفع السهو والنسيان، ورفع الإكراه.
إذن فلا بد حتى يُعتبر العمل - على فكرة - خيرًا أو شرًّا، لا بد أن يكون قاصدًا عالمًا مختارًا.
حصل عدوان على المال لشبهة: ظننتُ أنه مالي، ظننتُ أن هذا حلال، ظننتُ أن هذا أجر أو لا شيء في مقابل حاجة أخرى. نعم، يصبح ليس عدوانًا وظلمًا.
لكن لا، هذا عدوان وأنا أعلم أنه [حرام]، يأتي بثلاثة شروط نحفظها: قاصدًا، عالمًا، مختارًا.
نسبة العمل إلى صاحبه واستحقاق العقاب بالنار عند توفر الشروط الثلاثة
إذا أتيت العمل وأنت قاصد وعالم ومختار، فيكون العمل هذا منسوبًا إليك قاصدًا عالمًا مختارًا.
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: 30]
قاصدًا عالمًا مختارًا، فيستحق العقاب؛ نُصليه نارًا.
دلالة تنكير كلمة نارا وأنها تشمل عذاب الدنيا والآخرة معًا
فتكون النار هنا منكّرة، فتكون أيّ نار. أيّ نارًا؟ نُصليه نارًا يعني سيحدث له عذاب.
وما دام «نُصليه نارًا» وليس «نُصليه النار»، فلن ندخله جهنم داخرًا فيها [بالضرورة]. نُصليه نارًا، فهذا يمكن أن يكون في الدنيا، ويمكن أن يكون في الآخرة، ويمكن أن يكون في الاثنين.
فالتنكير هنا أفادنا شيئًا. ما هي النكرة؟ قال: هي الفرد الشائع في جنسه، أيّ فرد من الأفراد.
﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: 10]
الذي يأكل من مال اليتيم، إذن هناك نار أسماها نارًا. فهذا الذي يدخل عليك من الحرام نار، فيكون في نار في الدنيا، والإنسان لا يكون مسرورًا وسعيدًا، بل يكون مبتلى وحالته مضطربة.
صلاحية عقوبة النار للدنيا والآخرة ويسر ذلك على الله تعالى
﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا﴾ [النساء: 30]
يبقى تصلح للدنيا والآخرة. لا يأتيني أحد يقول لي هذه في الدنيا فقط، لا، هذه تصلح لهذه وتلك؛ لأن النكرة فرد شائع في جنسه، يبقى يصلح هنا ويصلح هناك.
﴿وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 30]
كون أنه يُضيّق عليك في الدنيا، صعب على ربنا يعني؟ ما هو الرزاق وهو الخالق وهو المحيي وهو المميت. كون أنه يحكم عليك في الآخرة بعقاب شديد، يعني على ربنا [صعب]؟ ما هو مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، الأمر بيد الله.
إذن ﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ يعني هذا الشيء من العذاب، سواء كان في الدنيا أو في الآخرة، على الله يسيرًا.
فتح باب الرحمة باجتناب الكبائر وتكفير السيئات والبحث في مفهوم الكبيرة
ثم يفتح لنا [الله سبحانه وتعالى] باب رحمته فيقول:
﴿إِن تَجْتَنِبُوا كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: 31]
وهنا بدأ العلماء في البحث عن مفهوم الكبيرة. كبيرة يعني ماذا؟ هو الذنب، ذنب، ولكن يعني ماذا كبيرة؟ كبائر ما تُنهون عنه.
هل هي الموبقات؟ ما ورد في الحديث:
قال النبي ﷺ: «اجتنبوا سبعًا من الموبقات: الشرك بالله، وعقوق الوالدين»
وعدّ منها السحر، وعدّ منها مدمن الخمر، وعدّ وهكذا. فهل هذه تعني هي الموبقات السبع هذه أم ماذا؟
تعريف ابن فورك للكبائر بثلاثة معايير: اللعن والخلود في النار والحدود
ابن فورك يقول: ما ورد فيه لعن على لسان [الله أو رسوله]، في قول الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم، ما ورد فيه لعن في كلام الله ورسوله يكون ذلك من الكبائر.
أو ما ورد فيه تهديد ووعيد بالخلود في النار يكون هذا من الكبائر.
أو ما ورد فيه حدّ [من الحدود الشرعية] يكون هذا من الكبائر.
والذي لم ترد فيه هذه الأشياء لا يكون من الكبائر.
أمثلة تطبيقية على التفريق بين الكبائر والصغائر في الكذب والغش والعقوق
فإذن:
قال النبي ﷺ: «من كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»
هذا من الكبائر؛ الكذب على رسول الله ﷺ. لكن الكذب في حديث الناس هكذا يكون من الصغائر.
أما شهادة الزور فهي من الكبائر؛ لأن فيها لعنًا. والغش:
قال النبي ﷺ: «من غشّنا فليس منا»
لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغشّاش، فيكون من الكبائر. وعقوق الوالدين فيه لعن، فيكون من الكبائر.
أما عندما تقول «أفّ»، فلا يوجد فيها لعن. أن تقول لوالدك ووالدتك «أفّ»، نعم هي حرام ولكن ليست من الكبائر؛ لأنه يعني وأنت متضايق قلت «أفّ»، وبعد ذلك يعني والدك ووالدتك يضحكان ربما ولا شيء. لكن العقوق وقهر النفس هذا شيء آخر.
الحدود الشرعية دليل على الكبائر وحكمة إخفاء الله أشياء في أشياء
وهكذا أبدًا؛ السرقة:
﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]
الزنا:
﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِى فَٱجْلِدُوا كُلَّ وَٰحِدٍ مِّنْهُمَا﴾ [النور: 2]
إذن إذا كان هذا كله حدًّا، إذن يكون من الكبائر. فالمعايير الثلاثة هي: الحدود، واللعن، والخلود في النار؛ هذه الثلاثة تكون من الكبائر، والأخريان [ما لم يرد فيها ذلك] لا يكونان من الكبائر.
ولكن قالوا: أخفى الله أشياء في أشياء:
- •فأخفى الكبائر في سائر الذنوب حتى تبتعدوا عن الذنوب كلها.
- •وأخفى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان حتى تقوم العشر.
- •وأخفى وليّ الله في الناس لكي تحترم الناس كلها.
- •وأخفى الصلاة الوسطى في الصلوات حتى تحافظ على الصلوات كلها.
- •وأخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة حتى تعبد الله في كل اليوم.
وهكذا، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
