سورة النساء | حـ 626 | 32 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •القرآن الكريم يتجاوز الزمان والمكان، إذ يُقرأ النص الواحد بعقليات مختلفة عبر العصور وهذا إعجاز إلهي.
- •كلام البشر يكون أقل مما في أذهانهم، بينما القرآن أوسع وأعلى من فهم البشر.
- •تفاسير القرآن تتسع عبر القرون من الصحابة إلى ابن عطية والقرطبي والرازي والألوسي، وهذا عكس كلام البشر.
- •آية "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض" تُفهم بطرق متعددة حسب العصور والثقافات.
- •في المجتمعات التقليدية فُهمت الآية على أنها خطاب للنساء بألا يتمنين ما للرجال.
- •في المجتمعات المعاصرة تُفهم الآية على أنها موجهة للجنسين بعدم تمني ما للآخر.
- •هذا يتفق مع حديث النبي ﷺ: "لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال".
- •الثراء المعرفي في القرآن لا يوجد في كلام البشر كقصائد امرئ القيس وخطب قس بن ساعدة.
- •القرآن بألفاظه العذبة جذب قلوب العرب فآمنوا وصدقوا.
مقدمة الدرس وبيان موضوع العلاقة بين الرجل والمرأة في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر لنا العلاقة بين الرجل والمرأة باعتبارها هي الأساس في الاجتماع البشري، يصف ذلك بصياغة فائقة رائقة لا علاقة لها بما ترسب في أذهان الناس.
إعجاز القرآن في تجاوزه الزمان والمكان واختلاف الفهم عبر العصور
وهذا يدل، وهذا أيضًا معنى أن القرآن قد تجاوز الزمان والمكان، وأن كل عصر يقرأ ذات الكتاب -القرآن الكريم- بعقلية مختلفة، والنص واحد. وهذا في حد ذاته إعجاز يبين أن هذا الكلام ليس ككلام البشر.
فإن كلام البشر بعدما يخرج من أفواههم يكون أقل دائمًا من مرادهم، وهذا الكلام [كلام الله] هو دائمًا أوسع وأعلى وأكبر من فهمنا؛ إذن فهو عكس كلام البشر.
الفرق بين كلام البشر المحدود وكلام الله الذي يتسع معناه دائمًا
كلام البشر عندما نأخذ نصًّا -أي نص: قصيدة، خطبة، كتاب- نجده ونحن نقرؤه بعدما قرأناه وانتهينا نقوم فنقول: ماذا يعني هذا؟ فنقول هكذا، ونحن نتكلم يعني ونقعد نشرح الذي قلناه.
فلماذا؟ لأن الذي نحن قلنا له أحسسنا أنه لن يفهمك المراد الخاص بي كثيرًا؛ أي ما معنى الكلام الذي قلته أقل من الكلام الذي في ذهني. فلنقل ما معناه؛ أي بمعنى أننا نفسر أي نشرح.
وهذا يدل على أن الكلام الخارج من أفواهنا هو دائمًا أقل مما في مرادنا وأذهاننا.
اتساع تفسير القرآن عبر القرون من الصحابة إلى العلماء المتأخرين
أما القرآن فهو واحد، ونجد لها [للآية] تفسيرًا عند الصحابة، وبعد ذلك نجد لها تفسيرًا أوسع هكذا عند ابن عطية والقرطبي، وبعد ذلك نراجع الرازي فنجد أنه توسع فيها، نراجع بعد ذلك الألوسي في القرون المتأخرة -هذه القرن الثالث عشر- نجد أنه توسع أكثر وأكثر.
نقرؤها نحن نجد فيها معنى آخر. ما هذا؟ ضد كلام البشر، هذا عكس كلام البشر. هذا كلام له درجات في الفهم تتجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، شيء غريب!
فهم آية ولا تتمنوا في مجتمع يفضل الرجال على النساء
يقول [الله تعالى] ماذا؟
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]
من الذي قرأ الآية؟ مجتمع يفضل الرجال على النساء سيفهم ماذا؟ سيفهم أن الله يقول لكم: ألا تتمنين أيتها النساء أن تكنّ مثل الرجال، فمن المفضَّل؟ الرجل، ومن المفضول؟ المرأة.
فيا نساء لا تتمنين أن تكنّ مثل الرجال، ارضين بقدركن، أنتن خُلقتن نساءً فارضين بقدركن وانتهى الأمر. فيكون لها معنى: ألا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، [أي] الرضا بالقضاء.
فهم آية ولا تتمنوا في مجتمع يرى المساواة بين الرجل والمرأة
ماشي، في مجتمع آخر يرى المساواة بين الرجل والمرأة في الإنسانية وفي التكليف وفي الحقوق وفي الواجبات، فيرى الآية قد وُجِّهت للرجل والمرأة على حد سواء.
فيبقى: أيتها النساء لا تتمنى إحداكن مال الرجال، ويا أيها الرجال لا تتمنوا أن تكونوا امرأة، وأيتها المرأة لا تتمنى أن تكون رجلًا. ويتفق هذا مع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
قال رسول الله ﷺ: «لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال»
والله هذه الآية واحدة، هي موجهة للرجال فقط أم للنساء فقط أم للرجال والنساء؟ قوام الأسس المعرفية والعقلية والثقافة والعصور تختفي [تتغير]، وما هي وحدة [الآية واحدة]! سبحان الله!
مقارنة بين ثراء القرآن وبين معلقة امرئ القيس في البلاغة والمعنى
لا نجد هذا [الثراء المعنوي] في قصائد امرئ القيس مثلًا، لا نجد هذا الثراء في خطب قس بن ساعدة. لا نجد ما في أول القصيدة التي له [لامرئ القيس] يقول:
قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ ... بسقط اللوى بين الدخول فحوملِ ... فتوضح فالمقراة لم يعفُ رسمها إلى آخره.
يقول له ماذا؟ قال لك: بكى واستبكى. فنقول له: أنتم لماذا علقتم هذه القصيدة على الكعبة؟ فقال له: هذا شيء بليغ جدًّا. لماذا؟ قال: بكى واستبكى، ووقف واستوقف، وبكى واستبكى، وذكر الحبيب والدار في شطر بيت، فهذا يكون شاعرًا كبيرًا. فالذي يتأمل هكذا قال.
ضعف الشطر الثاني في معلقة امرئ القيس مقارنة بإعجاز القرآن
فتعال، وفي الشطر الثاني قال ماذا؟ قال: لم يقل شيئًا! قال: الدقي، المهندسين، جامعة الدول العربية. يعني ماذا؟ لم يقل شيئًا! قال: بسقط اللوى -وهذا مكان مثل الدقي هكذا- بين الحمول الذي هو جامعة الدول العربية، وهو بين الها... بين الدخولي وحوملي، هو مثل ما بين المهندسين والدقي.
يا قلبي لا تحزن! ما هذا؟ يعني ماذا فعل؟ يبقى طبيعيًّا. وفي الشطر لم يستطع أن يُكمل، يعني هو يا عيني ركّز كثيرًا في شطر بيت.
جاء الشطر الثاني فلم يعرف كيف يُكمل: قفا -وقف واستوقف-، نبكِ -بكى واستبكى-، من ذكرى حبيب ومنزل -ذكر الحبيب والدار في شطر بيت-. وبعد ذلك لم يقل شيئًا: الدخول فسأحملك فتوضح في المقرات، وكلها ما هي [إلا أسماء أماكن مثل] العجوز والشيء والجيزة وإمبابة. وبعد ذلك يعني ما ليس هناك، ما ليس هناك شيء!
انبهار العرب بكلام الله وتأثير لذيذ الألفاظ في القلوب كالمغناطيس
طيب، تعال إذن، كلام رب العالمين ما هو؟ العرب جُنّت لما سمعت الكلام [القرآن]، انبهرت، حصل لها انجذاب؛ فإن القلوب حديد ولذيذ الألفاظ مغناطيس.
نعم، الحلي يقول هكذا: إنما والعربية لغة تنفر المسامع منها حين تُتلى وتشمئز النفوس. أين قولك هذا؟ حديث قديم من مقال عقنقل القدموس، عنترة بن شداد.
وبعد ذلك قال كذلك: أن القلوب حديد ولذيذ الألفاظ مغناطيس. فلذيذ الألفاظ هذه ماذا فعلت؟ مغناطيس لقلوب العرب، فآمنوا وصدّقوا إيمانهم وملأوا الأرض نورًا.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
