سورة النساء | حـ 627 | 32 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تفسير قوله تعالى: "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض" يشمل الرجال والنساء، حيث فضّل الله كلاً منهما بخصائص.
- •على الرجل ألا يتمنى فضائل المرأة، وعلى المرأة ألا تتمنى فضائل الرجل، بل عليهما الرضا بما منحهما الله.
- •وهبت المرأة الرعاية والأمومة والحنان، بينما كلف الرجل بالسعي والكسب والإنفاق.
- •الرجولة والأنوثة درجات، وتحقيق الكمال في الصفات يختلف بين الناس.
- •الكمال له علاقة بالتربية وليس بالذكورة أو الأنوثة، وهو ما يُشار إليه في قوله تعالى: "للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن".
- •كمل من الرجال كثيرون ولم يكمل من النساء إلا أربع: مريم وآسية وخديجة وفاطمة.
- •الواقع يُظهر قلة النساء في المناصب العليا بالعالم قياساً بالرجال.
- •ينبغي للمرء أن يسأل الله الفضل والزيادة فيما أقامه فيه، دون تمني ما عند الآخر.
مقدمة تفسير آية النهي عن التمني في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]
وهذه الآية بهذه الصفة، وفي عصرنا الحاضر تصلح لأن تكون نداءً للرجل والمرأة على حدٍّ سواء.
معنى تفضيل الله للرجال والنساء بأشياء مختلفة
ويكون معناها أن الله سبحانه وتعالى قد فضّل الرجال على النساء بأشياء، وأنه سبحانه وتعالى قد فضّل النساء على الرجال بأشياء أخرى.
وعلى الرجل ألّا ينظر إلى فضائل المرأة فيتمنّاها؛ لأن الله أقامه رجلًا. وعلى المرأة ألّا تنظر إلى فضائل الرجل فتتمنّى ذلك، بل إنها تفرح بأنها امرأة، وتفرح بأن الله أقامها في هذا الفضل.
فضائل المرأة التي منحها الله إياها من رعاية وأمومة وحنان
وتفرح بأن الله سبحانه وتعالى جعل لها الرعاية، وجعل لها العناية، وجعل لها الأمومة، وجعل لها خلق الحياة، وجعل لها الحنان، وجعل لها هذا شيء... ما هي فضائل كلها هذه! وأعطاها من الحقوق أشياء.
يقول لك [أحدهم]: الله، ليتني كنت امرأة أقعد في البيت هكذا وينفقوا عليّ! لا، ما لا يصلح، أنت رجل يجب أن تجتهد وتسعى وتعمل وتكدح حتى تأتي برزق العيش لأولادك الذين في البيت.
تأكيد القرآن أن لكل من الرجال والنساء نصيبًا مما اكتسبوا
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]
ما الذي يرجّح هذا؟ يرجّح -يعني يؤكّد- الكلام بعد ذلك:
﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا﴾ [النساء: 32]
هذا معناه كذلك:
﴿وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32]
وللرجال نصيب مما اكتسبوا، مما أقامه الله فيه.
الرجولة درجات والكمال فيها يتفاوت بين الناس
وهذا يدلّ على ماذا؟ يدلّ على أن الرجولة في الرجال درجات. فمن الذي عنده هكذا الرجولة الكاملة؟ يعني الإنسان الكامل صلى الله عليه وسلم.
كان عندنا واحد مربٍّ مرشد، وبعد ذلك كان يتبعه تلاميذه هكذا ومريدوه، كان اسمه محمد أمين البغدادي رحمه الله تعالى، توفّي سنة ألف وتسعمائة وأربعين.
قصة المرشد محمد أمين البغدادي وصفة الكمال في التربية
فقالوا له [أي للشيخ محمد أمين البغدادي]: ألا يوجد أحد من المريدين الذين يتبعونك ليخلفك؟ أي يكون كذلك رجلًا طيبًا وصالحًا. فقال: إنني ربّيت أناسًا كثيرين، ولكن الشيخ فلان لم يكتمل بعد، لم يكتمل بعد.
ذلك قال: الشيخ فلان هذا رجل ولكنه لم يكتمل بعد. فقالوا له: كيف لم يكتمل بعد؟ قال: فيه صفة من صفات الأنثى، فيه صفة من صفات الأنثى.
مفهوم اكتمال صفات الرجولة والأنوثة في التربية الروحية
إذن إذا كان الرجل له صفات رجولة، افترض أنها مائة صفة، لديّ أنا منها ثمانون والعشرون لم تكتمل بعد، تكتمل نعم. هذا يسمّونه إذن في التربية المرشد الكامل.
ما لم تكتمل فإنها لا تزال لم تستوِ بعد. وهذا لا علاقة له بالذكورة ولا علاقة له بالأنوثة، بل له علاقة بالكمال، بكمال التربية.
ولذلك:
﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32]
يوجد أيضًا مائة صفة للأنثى، يمكن أن تكون لدى المرأة منها حسنًا، لنفترض أنها حصلت على المائة.
حديث النبي عن كمال الرجال وكمال النساء الأربع
نعم، هذه التي حصلت على المائة، فماذا تكون؟ المرأة الكاملة. نعم، المرأة الكاملة هذه مائة في المائة.
ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«كَمُلَ من الرجال كثيرون، ولم يَكمُل من النساء إلا أربع: مريم، وآسية، وخديجة زوج النبي، وفاطمة بنت النبي عليها السلام»
كم واحد حصل على المائة صفة؟ كثيرون [من الرجال].
الواقع العالمي يؤكد تفاوت الكمال بين الرجال والنساء في القيادة والمهن
فيبقى إذن الكمال في الرجال كثير، وهو هذا الذي نجده في العالم هكذا معنا. كم دولة في العالم؟ حوالي مائتي دولة، مائة وستة وتسعون دولة بالضبط. يعني كم رئيسًا لهذه الدول؟ مائة وستة وتسعون رئيسًا. منهم كم امرأة؟ ست، سبع، يعني ثلاثة في المائة.
هذا لا علاقة له بالإسلام ولا علاقة له بالتعصّب ولا علاقة له بالتخلّف.
أمثلة من عالم الطبخ والخياطة تؤكد غلبة الرجال في الكمال المهني
ولا علاقة له بالناس الطبّاخين الذين في العالم، والذين يسمّيهم الناس "الشيف"، أي شيء كهذا، ما هو طبّاخ محترم. كم طبّاخ؟ خمسة آلاف طبّاخ، منهم كم رجل ومنهم كم امرأة؟ تجد منهم مائة امرأة والباقي رجال.
الخيّاطين والترزية الذين يبلغ عددهم خمسة آلاف خيّاط وترزي، من كريستيان ديور وبيير كاردان ولا أعرف أنزولوتي، وبعد ذلك كم واحدة منهن امرأة؟ أربع أو خمس من الخمسة آلاف.
فلماذا هكذا؟ هذا في العالم كله، ليس لنا شأن بتانجا وجاكارتا وغانا وفرغانة، هذا في العالم كله.
تأكيد حديث النبي على واقع الكمال وإمكانية كمال المرأة بعد النبوة
إذن انظر إلى كلام سيد البشر يعلّمنا الواقع، أنه كمُل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع. والنساء ليس فيهن نبوّة؛ فالكمال ليس له علاقة بالنبوّة.
والنساء بقين بعد رسول الله؛ لأن السيدة فاطمة بقيت ستة أشهر بعد رسول الله. فبعد رسول الله تكمل النساء؛ فيمكن للمرأة أن تكمل هذه الصفات المائة، ولكن صعبة قليلًا، أي أن القضية أيضًا ليست سهلة.
التوجيه القرآني بسؤال الله من فضله بدلًا من تمني ما عند الآخرين
حسنًا:
﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32]
فماذا نفعل إذن؟ أي:
﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]
أنا لن أتمنّى أن أكون امرأة ولا صفة منها، ولا هي تتمنّى أن تصبح رجلًا. حسنًا إذن ماذا يفعل [المسلم]؟ يقول: ربّ وفّقني فيما أقمتني فيه، وأسأل الله من فضله، الفضل والزيادة.
أنا يا ربّ في مائة صفة أنا حصلت منها على ستين، فوفّقني لأحصل على الأربعين أيضًا.
النهي عن النظر في فضائل الآخر والدعوة للتركيز على الكمال الذاتي
لا تنظر في قائمة أختك [أي المرأة لا تنظر في فضائل الرجل]، ولا تكن دعوة بيها [أي لا تكن فيها مقارنة]، وهي لا تنظر هنا [أي في فضائل الرجال]. لكن نحن ننظر في الواقع ونخلط الدنيا.
كمُل من الرجال كثير، وهنا يقول:
﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ وَسْـَٔلُوا ٱللَّهَ مِن فَضْلِهِٓ﴾ [النساء: 32]
من زيادته، يا ربّ وفّقنا.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 32]
بخصائص هذه الأشياء عليمٌ الله.
جمال القرآن عندما تُفهم الآية خطابًا للناس جميعًا رجالًا ونساءً
هذا القرآن صار له طعم آخر عندما جعلنا الآية للناس جميعًا، أتدرك ذلك؟ وصار له أسس أخرى غير عندما أقول: لا، هل الرجل أفضل من المرأة وانتهى الأمر؟
ونفرح عندما يأتي الذكر ونحزن ونعبس وجوهنا عندما تأتي الأنثى؟ لا، هذا كلام جاهلية! ولكن كلام ربّ العالمين هو هذا.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
