سورة النساء | حـ 628 | 33 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشير قوله تعالى "ولكل" في سورة النساء إلى فريقين هما الرجال والنساء، حيث جعل الله لكل منهما موالي مما ترك الوالدان والأقربون.
- •رسم الله خريطة للقرابة تتعلق بالحياة والممات، فالحياة تتمثل في النفقة، والممات يتمثل في الميراث.
- •استخدام كلمة "ولكل" يشير إلى أن النظام مبني على مراكز قانونية وليس تفرقة عنصرية بين الرجال والنساء.
- •الفوارق في الميراث مرتبطة بنظام النفقة والرعاية في الحياة، فالذي يجب عليه النفقة (كالزوج أو الأب أو الأخ) يختلف نصيبه في الميراث.
- •المولى في اللغة مشتق من معنى القرب والتتابع، مثل تتابع الرياح والأمطار.
- •الموالي هم الأقرباء النافعون وليس مجرد الأقرباء الصامتين أو الضارين.
- •نظام القرابة نشأ من الزواج والتناسل، وهدفه الحماية والرعاية وليس النزاع.
- •هناك أيضاً نظام الموالاة بجانب نظام القرابة، وكان يشمل من يدخل في ولاء قوم أو من كان عبداً فأعتق.
مقدمة تفسير آية المواريث من سورة النساء وبيان التقسيم بين الرجال والنساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلِكُلٍّ﴾ [النساء: 33]
ما دام نون كلمة "كلٍّ" [منوّنة]، هذا يعني أنه يشير إلى تقسيم سابق. من هؤلاء؟ ولكلٍّ، لكلٍّ يعني أن هناك فريقين أم ثلاثة؟ لا، هذان فريقان فقط: الرجال والنساء؛ لأنه قبل ذلك يقول ماذا؟
﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ مِّمَّا ٱكْتَسَبْنَ﴾ [النساء: 32]
وبعد ذلك:
﴿وَلِكُلٍّ﴾ [النساء: 33]
إذن لكلِّ ماذا؟ فريق من هذين الفريقين:
﴿جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 33]
خريطة القرابة التي رسمها الله للرجال والنساء في الحياة والممات
لكل فريق [من الرجال والنساء] جعلنا رسم خريطة للقرابة، هذه الخريطة تتعلق بالحياة وتتعلق بالممات. انظر، الكلام كثير: كيف جعلنا خريطة لكل من الفريقين الرجال والنساء؟
هذه الخريطة خريطة تتعلق بالحياة وتتعلق بالممات؛ فالحياة تتمثل في النفقة — من الذي يجب عليه أن ينفق — والممات يتمثل في الميراث، في التركة وفي توزيعها: كيف نوزع التركة؟
فلماذا لا يقول الكلام هكذا بصراحة؟ لماذا يقول "ولكلٍّ"؟ لأنه يقول لك إن هذه مراكز قانونية وليست تفرقة عنصرية. لكل فريق جعلنا وأحضرها لك في كلمة واحدة:
﴿وَلِكُلٍّ﴾ [النساء: 33]
هذا وهذا جعلهم كلمة واحدة، فلا يوجد فرق عنصري بين الرجال والنساء.
الفوارق في الميراث مراكز قانونية مرتبطة بنظام النفقة والرعاية
حسنًا، الفوارق التي نجدها في الميراث — هذا يأخذ السدس وهذا يأخذ الثلث وهذا يأخذ النصف، وهذا يحجب هذا وهذا يمنع هذا — هذه من أين تأتي هذه؟ أنكره بعضنا البعض، أم كيف نرتبها؟
قال: لا، هذا نظام، هذا مراكز قانونية، هذا مرتبط بالحياة والموت. مرتبط بمن يجب عليه النفقة، من يجب عليه الرعاية والعناية.
الزوج — حسنًا، افترض أنها غير متزوجة، هو الزوج أم الزوجة؟ لا، الزوج. أفرض أنها ليست متزوجة؟ فيكون الأب. فإن فرضنا أنه غير موجود فيكون الأخ. نعم، هذا نظام، هذا نظام له بداية ونهاية.
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ﴾ [النساء: 33]
معنى كلمة المولى في اللغة العربية وعلاقتها بالريح والمطر عند العرب
المولى، من هو المولى؟ من كان وليًّا لك، يعني ما هو الولي؟
قال: العرب تحب تتكلم وهي متصلة ومتسقة بالكون. العرب دائمًا هكذا، هم يحبون المطر جدًّا؛ لأنه لا يوجد نهر عندهم. أول سحابة تأتي في الموسم وتنزل مطرًا يسمونه ماذا؟ الخير. سمّوا هذا المطر ماذا؟ أو يسمون الريح التي تحرك السحابة الأولى يسمونها الوسمي.
هذا الوسمي رقم كم؟ رقم واحد. حسنًا، والريح التي تحرك السحابة رقم اثنين؟ الولي. الريح الأولى الوسمي، والتي تأتي بعدها الولي.
ما الفرق بينهما؟ هذه أشياء بسيطة: هذه نسمة هواء وخلفها نسمة هواء على الفور. فما هو الولي؟ الولي قريب من ماذا؟ من الوسمي، منذ البداية، أم أن بينهما زمنًا طويلًا كسنة أو سنتين أو شهر أو شهرين أو أسبوع؟ لا، بل على الفور يرسل لك النسمة ويرسل لك خلفها الولي.
معنى الموالي في القرآن الأقرباء النافعون لا الضارون ولا الصامتون
فما معنى ذلك؟
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ﴾ [النساء: 33]
أي أناسًا أقرباء، نعم، نظام القرابة. موالي يعني نظام القرابة.
فلماذا لا تسميهم أقرباء؟ قال: تفقد الكلمة معناها؛ فقد يكون من القريب الخيانة وتأتي الأذية منه. أما الولي فالولي جلب لك النسيم وجلب لك الخير وجلب لك المطر، فهو إذن الولي.
إذن كلمة "موالي" هم أقرباؤك النافعون، وليس أقرباؤك الصامتون ولا أقرباؤك الضارون، بل أقرباؤك الذين ينفعونك.
﴿مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 33]
نشأة القرابة بالزواج والتناسل وغايتها الحماية والرعاية لا الخصام والنزاع
ترك الوالدان والأقربون. قم جعل لي من هؤلاء الناس، كيف نشأت القرابة؟ بالزواج. قلنا من قبل وشرحناه: رجل تزوج امرأة فأنجبت له ولدًا، فصار هذا زوجًا وهذه زوجة وهذا ابن. ثم فأنجبوا بنتًا، فأصبحت هذه بنتًا وهذا أخوها وهذه أخت.
وهكذا رسمت الآية: كلما تناسلنا كلما ترسّمت القرابة. فلما توفي والدي ووالدتي وتركا لنا هذه القرابة، تركاها من أجل الحماية والرعاية والعناية والمساعدة، وليس من أجل الخصام ومن أجل النزاع والصدام.
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 33]
نظام الموالاة في الإسلام بين القرابة والولاء والرق وتطبيقه المعاصر
حسنًا، هذا أمر ربنا خلقها، هذا نظام الأقارب ربنا خلقه.
في نظام آخر نحن جعلناه نظامًا قانونيًّا؟ قال: نعم، في نظام الموالاة:
﴿وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33]
يبقى كما أن في نظام للقرابة، في نظام للموالاة. فكرة الموالاة هذه نسيناها وهي تحل لنا مشكلات كبيرة جدًّا في عصرنا الحاضر.
كان لما يأتي واحد غريب قومًا يوالونه. كان عندما يأتي في الرق عبدٌ قومًا يصبح من الموالي. يصبح الموالي هؤلاء قسمين: إما بالولاء وهو أن آتي فأقول لك أنا تبعك، وإما بالرق وهو أنك أنت تملك هذا الشخص. فعندما ملكته أصبحت بينك وبينه علاقة قانونية تستوجب منك الرعاية والعناية، وتستوجب منك حتى أيضًا الميراث والمعتق ذو الولاء.
حسنًا، فكرة الولاء كيف نستخدمها في عصرنا الحاضر؟ هذا ما سوف يكون في حلقة قادمة إن شاء الله. فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
