سورة النساء | حـ 629 | 33-34 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 629 | 33-34 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تناول النص تفسير آية "ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون" وشرح مفهوم الولاء في الإسلام.
  • الولاء ينقسم إلى قسمين: ولاء عن رق وقد ألغي، وولاء بالاتفاق والعقد الذي يشبه فكرة الانتساب للقبيلة كما في قصة البخاري "مولاهم الجعفي".
  • يمكن الاستفادة من مفهوم الولاء في حل مشكلة الأطفال مجهولي النسب، حيث يصبح الطفل منتسباً للعائلة بالولاء وليس بالنسب.
  • التبني المحرم هو ادعاء أن الطفل ابن صلبي مما يسبب بلبلة في الأنساب والمواريث، بينما كفالة اليتيم والولاء جائزان شرعاً.
  • كما شرح النص مفهوم القوامة في قوله تعالى "الرجال قوامون على النساء" بأنها توزيع للأدوار وليست تمييزاً عنصرياً.
  • القوامة مبنية على الخصائص والوظائف، وهي تشبه القيادة في الدولة أو الجيش، فهي ضرورة تنظيمية وليست انتقاصاً من قدر أحد.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية المواريث والولاء من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: 33]

وقد شرحنا هذه الآية مرة سابقة، إلا أننا توقفنا عند كلمة الولاء وكيف نحييها في عصرنا، ونستفيد منها ومن أحكامها في حل مشكلاتنا. ومشكلاتنا حينئذٍ ستكون مشكلات اجتماعية؛ مشكلات متعلقة بالنظام الاجتماعي، وبنظام القرابة، وبنظام الكفالة، وبنظام العلاقات الاجتماعية الموجودة في المجتمع.

أنواع الولاء: ولاء الرق الملغى وولاء الاتفاق والعقد

وقلنا إن الولاء إما أن يكون عن رِقّ، وقد أُلغي وكفانا الله شره، ووافقنا على إلغائه؛ لأن الشرع الشريف يتطلع إلى العتق، فوافقنا العالم عندما عرضوا إلغاءه.

وأما أن يكون الولاء بالاتفاق والعقد، وفي هذا المقام نرى في كتب التاريخ أن الأعاجم عندما جاءوا إلى العرب أُلحقوا بهم. فيقولون عن الإمام البخاري رضي الله تعالى عنه، وكان من بخارى وبخارى من أرض العجم: "مولاهم الجعفي" في آخر اسمه. هكذا: محمد بن إسماعيل بن المغيرة إلى آخره، يقول: "مولاهم الجعفي".

معنى مولاهم الجعفي وتشبيه الولاء بنظام الجنسية قديمًا

ما هو "مولاهم الجعفي"؟ وماذا يعني؟ يعني أنه [الإمام البخاري] نزل ببني جعفة ونسب نفسه إليهم، فأصبح منهم. أخذ الجنسية يعني؛ جنسية ما هي جنسية؟ هذه [جنسية] العائلة.

فكرة الجنسية كانت موجودة قديمًا؛ كل بلد لها جنسية، أنا مصري وهذا سوري. كل عائلة وقبيلة لها جنسية كأنها كذلك، يعني الولاء.

فماذا نستفيد من هذا الأمر؟ نستفيد منه في الأطفال مجهولي النسب. والأطفال مجهولو النسب يمكن أن نجعل لهم ولاءً. التبني حرام:

﴿ٱدْعُوهُمْ لِـَٔابَآئِهِمْ﴾ [الأحزاب: 5]

كيفية التعامل مع الطفل مجهول النسب عبر نظام الولاء لا التبني

الولد الذي وجدته هذا ومجهول النسب، لا أعرف من هو نسبه، سميته عبد الرحمن عبد الكريم، وسيتربى في بيتي وسيكبر وسيذهب إلى المدرسة.

ما علاقتك بهؤلاء الناس؟ زميله يسأله: من هؤلاء؟ تعمل عندهم عامل أم خادم؟ والله إننا نرى أنهم يكرمونك أيضًا، ربّياك مثل ابنهم تمامًا. من أنت؟ قُم، لدينا عائلة، هذه العائلة اسمها عائلة الطوبجي. قُم، يقول هذا الولد: عبد الرحمن بن عبد الكريم المتبجح [أي المنتسب إلى عائلة الطوبجي].

هذا الطوبجي ما هو؟ جدٌّ كبير. قُم، فلا يحدث شيء. الطوبجي أي؟ مولاهم وسيدهم الطوبجي مثلًا.

الفرق بين التبني المحرم والولاء الجائز في إلحاق مجهول النسب بالعائلة

يحدث أي شيء؟ لا يحدث شيء. ما هو [الولاء]؟ كان موجودًا ها هنا عندنا. لكن أنا اسمي علي، قال: أجل، أنت اسمك علي، أنت الذي ربيته هكذا، لكن هذا ليس ابنك، هذا عبد الكريم الطوبجي. هذا أصبح من العائلة الكبيرة.

فإذا كان التبني حرامًا أولًا، فإن الولاء حلال ويحل المشكلة، ويجعله من العائلة. من العائلة نسبًا أم ولاءً؟ لا، نسبٌ هذا ولاء وليس نسبًا. أم ولاء؟ لا، ولاءٌ ليس نسبًا ولا شيئًا [آخر].

فما هو إذن التبني الحرام؟ أن تذهب فتكتبه [باسمك] والناس تظن أنه ابنك، ويرث ويمنع أخواتك [من الميراث]؛ لأنك أنت لم تنجب مثلًا أولادًا، فإخوتك كانوا سيرثون فحدثت بلبلة. التبني بلبلة.

جواز الكفالة الاجتماعية ونسبة مجهول النسب بالولاء دون التبني

أما الكفالة الاجتماعية وكفالة اليتيم وكفالة مجهول النسب، وولاء نسبه إلى هذه العائلة دون الانتساب الصُّلبي، هذا جائز ويحل المشكلة، وحلّ المشكلة فعلًا.

فالناس تتخبط، يقول لك: والله يعني أنتم أجزتم التبني! لا يا أخي، هذا ليس تبنيًا، هذا ولاء. طيب، وأين كانت فكرة الولاء هذه؟ موجودة من قديم. طيب، فلماذا لم تعلّموها لنا؟ لماذا لا تسألون أنفسكم وأنتم لا تقرؤون؟ لماذا لا تطّلعون على التراث؟ لماذا لم تقرؤوا تاريخكم؟ لماذا؟

الاستدلال بالمعرفة لا بالجهل والتأكيد على أن الولاء ثابت في القرآن

طيب، ونحن الآن هل سنستدل بعدم المعرفة أم نستدل بالمعرفة؟ نستدل بالمعرفة، ومن عرف حجةٌ على من لم يعرف. لا تستدل بعدم المعرفة.

يقول لك: يا الله، غريبة هذه! أول مرة أسمعها. حسنًا، وما شأني أول مرة تسمع؟ إذن نحن هنا لماذا؟ أليس لأننا هنا لكي نُسمعك؟ فيجب أن تفهم هذه الأشياء جيدًا: أن هذا ليس تبنيًا، هذا ولاء. أول مرة أسمعها؟ نعم، وما لي! ولكن الله قال عنها، ها هو يقول:

﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَٰلِىَ مِمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَـَٔاتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا﴾ [النساء: 33]

معنى القوامة في قوله تعالى الرجال قوامون على النساء وعلاقتها بالإدارة لا التمييز

ثم يقول [الله تعالى]:

﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 34]

انظر إلى الدقة! إذن نحن أصبحنا [نفهم أن] القيادة لمن؟ فجعل القيادة للرجال. حسنًا، نحن في دولة لا بد من قائد، فجعل القيادة للرئيس. وأما نحن في جيش ولا بد من راعٍ، فجعل الرعاية والقيادة للقائد، وهكذا.

فهل في هذا تمييز عنصري؟ لا. إذن القوامة ليس لها علاقة بالتمييز العنصري، هذه لها علاقة بشأن الإدارة. هذا كلام يجب أن يُفهم حتى يُغيّر مفاهيم عجيبة غريبة آتية من الطبيعة [البشرية] وليس آتية من الدين.

القوامة توزيع أدوار مبني على الخصائص والوظائف ودقة التعبير القرآني

الرجال قوامون على النساء، هل هذا يعني أي تمييز عنصري؟ لا، وإنما يعني توزيع أدوار ومراكز مبنية على الخصائص والوظائف.

﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 34]

لم يقل [سبحانه]: "بما فضّل الله به بعضهم على بعض"، كما قال للرجال [والنساء معًا]:

﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]

بل هنا قال: "بما فضّل الله بعضهم على بعض"، فيبقى [المعنى أنه] جعل القيادة بيد الرجال.

وإلى لقاء آخر نوسّع الكلام في القوامة وفي معناها وفي مقتضاها. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.