سورة النساء | حـ 633 | 22 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 633 | 22 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • قوله تعالى "واضربوهن" في سورة النساء يُفهم على أنه إرشاد وليس وجوباً، فالأمر للإرشاد يعني بيان الأحسن والأفضل.
  • ضرب التأديب اشترط فيه العلماء ألا يصيب الوجه، وألا يُحدث أثراً في الجسد، وأن يكون بنحو سواك، وغرضه إظهار الغضب وليس الإيذاء.
  • الرسول صلى الله عليه وسلم لم يضرب زوجاته قط رغم تعددهن، وقال: "ولا يضرب خياركم".
  • نهى النبي عن ضرب النساء بقوله: "لا يضرب أحدكم زوجته كالأمة ثم يبيت معها في آخر النهار".
  • إذا ضرب الرجل زوجته خارج نطاق التأديب، فللمرأة أن تشتكي للقاضي وهذا يعد جناية يُعاقب عليها.
  • سوء فهم هذه القضية وإخراجها من سياقها أدى إلى ممارسات سيئة مخالفة لهدي النبي وأصبح المسلمون حجاباً بين الخلق والله بأفعالهم الرديئة.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة في آية التعامل مع نشوز المرأة من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى في التعامل بين الرجل أثناء قيادته للأسرة وبين المرأة، خاصة تلك التي يخاف الرجل نشوزها:

﴿فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِى ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: 34]

معنى الأوامر في الآية بين الإرشاد والوجوب عند العلماء

﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ هذه الأوامر: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ يسميها العلماء بالإرشاد، وفَهِم بعضهم منها الوجوب؛ بعض المحدثين، ليس العلماء، لكن العلماء دائمًا يفهمون منها الإرشاد.

والإرشاد معناه أن هذا أحسن؛ أي أن هذا أحسن: أن تهجر، أو أحسن: أن تضرب، أو تؤدب. والضرب بمعنى التأديب ينقسم إلى جهتين:

الجهة الأولى في كُنهه وحقيقته: فما معنى الضرب؟ ومتى يكون الضرب مؤذيًا، ومتى يكون الضرب تأديبًا؟

ضرب التأديب لإظهار الغضب، فاشترط فيه العلماء ألا يُضرب الوجه وألا يُحدث أثرًا في الجسد، وقالوا: يكون بنحو سواك، والسواك مثل قلم رصاص هكذا؛ فيكون مجرد تعبير عن أنه غاضب جدًّا.

حقيقة الضرب الشرعي وشروطه وكيفيته بالسواك لإظهار الغضب

فهل الضرب هنا معناه أنه سيجلدها بالسوط؟ لا. هل معناه أنه سيضربها بالعصا على رأسها حتى تُغمى عليها؟ لا. هل معناه أنه سيطعنها بشيء حتى ينزل [الدم] ينزل؟ لا. هل معناها أنه يصفعها على وجهها؟ لا.

بل هذا معناه أنه سيمسك السواك الخاص به، أي فرشة الأسنان، ويضربها ضربًا خفيفًا على يديها هكذا (قام الشيخ بالضرب برفق على يديه بيده الأخرى). عندما تقوم هي ترى في عينيه الغضب وأنها أغضبته، فتحزن لأنها تحبه؛ فيكون هذا هو كُنه الضرب.

شرط فيه العلماء حتى يكون للتأديب: أن يتقي الوجه، وألا يُحدث أثرًا في الجسد، وأن يكون بنحو سواك. هذا هو الضرب الشرعي؛ الغرض منه التأديب، والوسيلة إليه كأنها مداعبة لكنها لإظهار الردع.

الضرب كإرشاد وإباحة مرتبطة بثقافة المجتمعات والاقتداء بالنبي ﷺ

هناك قضية الجهة الثانية في الضرب كإرشاد وإباحة: [وهي أن هذا الحكم] يتفق مع ثقافة المجتمعات في الزمان والمكان، لكن المسلم الذي جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة له، ماذا يفعل؟

حتى تكون مسلمًا محمديًّا اقتدِ بسيدنا رسول الله. فماذا فعل سيدنا رسول الله مع نسائه التسع؟ تسع [زوجات]، أي إذا لم تُغضبه إحداهن فإن الأخرى ستفعل.

فالنبي ﷺ لم يضرب واحدة منهن قط؛ لا بسواك، ولا بفرشاة أسنان، ولا بيده كذلك كما نمثل، ولا أي شيء. ما هذه الحلاوة؟

من يضرب زوجته قليل الأدب لأنه لم يتبع سنة النبي ﷺ

إذن الذي يضرب [زوجته] هذا يعني هو هذا الدين؟ لا، هذا عكس الدين. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ولا يضرب خياركم»

انظر كيف يقول هكذا: «ولا يضرب خياركم»؛ فيكون الإنسان الذي يضرب زوجته هذا قليل الأدب.

قليل الأدب لأنه ينفذ كلام الله؟ لا، قليل الأدب لأنه لم يتبع رسول الله عليه الصلاة والسلام. أباح الله لك شيئًا وعلّمك عن طريق نبيه وقدوتك الحسنة، فإذا بك لم تتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

«ولا يضرب خياركم»

موقف النبي ﷺ مع أنس بن مالك والسواك دليل على رفقه

وعندما قابل النبي ﷺ سيدنا أنس [بن مالك] حين أرسله في مهمة فتأخر أنس قليلًا، تأخر، قال ﷺ له:

«أرهقتني، ولولا أني أخاف الله لأوجعتك بهذا السواك»

وكان واضعًا سواكًا على أذنه الشريفة، وقال ﷺ له:

«لولا خوفي من الله لضربتك بهذا السواك»

لكنه لم يضربه، لا، بل قال له لو كان [لفعل]. هكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام.

قضية الضرب وقائية فلسفية وإخراجها من سياقها ظلم للقرآن والسنة

إذن قضية الضرب هذه قضية وقائية، قضية فلسفية، قضية مرتبطة بنظام عام. إن إخراج هذه القضية من سياقها وجعلها سببًا لتعكير صفو العلاقة بين الرجل والمرأة أمر غير سديد، وفيه ظلم للقرآن وللسنة ولحال المسلمين.

وقد أسهم بعض المسلمين -للأسف- في هذا الظلم، فصاروا فقد ضربوا النساء وجلدوهن وفعلوا أشياء سيئة كثيرة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن هذا فقال ﷺ:

«لا يضرب أحدكم زوجته كالأمة ثم يبيت معها في آخر النهار»

فأي ذلٍّ هذا؟

حق المرأة في الاستعانة بأهلها والقاضي إذا ظلمها زوجها بالضرب

ولذلك ذهب بعضهم إلى أن الرجل إذا ضرب زوجته من غير وجه حق فلها أن تستعين بأهلها فيؤدبوه. فمن الذي سيُضرب إذن في هذا الوقت؟ الرجل.

يقول الشيخ للمستمعين: انظروا كيف تضحكون؛ فهذا الضحك معناه أن هناك شيئًا مستقرًّا لديكم مخالفًا لهذا الظلم.

وقال آخرون: ماذا تفعل المرأة إذا ظُلمت؟ اتفق العلماء على أن الرجل إذا ضرب زوجته خارج نطاق التأديب، مثل أن ضربها على وجهها حتى سال دمها، [فلها] أن تشتكي إلى القاضي؛ فهذه جناية، وعلى القاضي أن يعاقبه لكي لا يضربها.

فهل ينقاض هذا قول الله تعالى ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾؟ كلا؛ فهذا به ضرب تأديب لا ضرب انتقام.

فهم الدين على وجهه الصحيح وحق المرأة الثابت وواجب احترامها

نعم، ويبقى للمرأة، إن ظُلمت، حق ثابت في عنق الرجل الذي ظلمها إلى يوم الدين.

وهنا نفهم الدين على وجهه الصحيح، غير أن الواجب علينا أن ندرك أننا بسوء أفعالنا كنا حجابًا بين الخلق والله، وبفهمنا الذي غلبنا فيه شهواتنا ولم نحترم فيه نساءنا.

والله تعالى أعلى وأعلم، وإلى لقاء آخر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.