سورة النساء | حـ 635 | 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الأسرة أساس الاجتماع البشري، فصلاحها يؤدي إلى صلاح المجتمع وفسادها يؤدي إلى فساده.
- •ضياع الأسرة يؤدي إلى فقدان الانتماء، فلا يدافع الإنسان عن وطنه ولا يعمل لمصلحة من يأتي بعده.
- •دعوات ما بعد الحداثة إلى هدم الأسرة بدعوى أنها تقيد الحرية الشخصية تؤدي إلى انفراط الاجتماع البشري.
- •المحافظة على الأسرة تنمي الانتماء للأهل والوطن والعمل لمصلحة الأجيال القادمة.
- •يأمر الله تعالى في حالة خوف الشقاق بين الزوجين بالتدخل المبكر قبل تفاقم المشكلة.
- •مسؤولية المجتمع في الإصلاح بين الزوجين تتطلب مؤسسات اجتماعية متخصصة.
- •الشقاق هو ضد الزوجية التي تعني الاتصال والترابط بين الزوجين.
- •الكلمة الإلهية الواحدة تصلح لبناء حياة كاملة من خلال مؤسسات وأنظمة تتبنى هذا التوجيه.
- •الدين الإسلامي دين علم للعبادة والعمارة يقدم منهجاً متكاملاً للحياة.
مقدمة حول تنظيم الأسرة في سورة النساء وأثره على المجتمع
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ينظّم حال الأسرة، باعتبار أن تنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة إنما هو أساس الاجتماع البشري.
فإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، وإذا انهارت انهار المجتمع، وإذا قامت قام المجتمع.
ضياع الأسرة يؤدي إلى فقدان الانتماء وانهيار العمران البشري
ضياع الأسرة سوف يؤدي وبلا شك إلى عدم الانتماء، وإذا ما ضاع انتماء الإنسان إلى وطنه وأهله لم يدافع عنهم، ولم يعمل لمصلحتهم، ولم يعمل على عمارة الأرض لمصلحة من يأتي من بعده.
وإنما سوف يعمل لمصلحة نفسه، ويعيش لنفسه، ويموت لنفسه. فإذا تخيلنا ذلك [أن يعيش كل إنسان لنفسه فقط] انفرط الاجتماع البشري.
دعوات ما بعد الحداثة لهدم الأسرة والتحرر من كل القيود
ولذلك فإن الداعين من مذاهب ما بعد الحداثة إلى انهيار الأسرة، وإلى أنها تمثل عدوانًا على الحرية الشخصية، باعتبار النظام الأبوي؛ لأن الأسرة فيها أب وفيها أم تربي الأطفال، فاعتبروا أن هذا [النظام الأسري] نوع من أنواع التسلط على الإنسان، ونريد للإنسان أن يكون حرًّا.
فدعوا إلى التحرر من الأسرة، والتحرر من الدولة، والتحرر من اللغة، والتحرر من الدين، والتحرر من الثقافة الموروثة؛ حتى يبدع الإنسان؛ لأن الإبداع مع الحرية.
الرد على دعاة هدم الأسرة بأن ذلك تفلّت وليس حرية
قلنا لهم: تمهلوا قليلًا، يعني أنتم الآن تريدون أن تجعلوا كل واحد يريد أن يعيش وحده هكذا؟ لا يصلح، ستفسدون الدنيا.
ثم إن هذه [الدعوات] بهذه الألفاظ ليست حرية، هذا تفلّت. أنتم تريدون أن تقضوا على تجربة البشرية. دعوا كلمة الله، فما هو إذ ليس هناك ربّ عندهم؟ دعوا كلمة الله، تجربة البشرية عبر كل هذه القرون تريدون أن تقضوا عليها من غير تصوّر ما الذي ستؤول إليه الأمور لو أننا قد هدمنا الاجتماع البشري وعاش كل واحد منا لنفسه ولمصالحه؟ هذه تصبح دنيا يعني أنها ليست صحيحة.
المحافظة على الأسرة تنمي الانتماء والبناء والعمران للأجيال القادمة
وإنما هذه المحافظة على الأسرة تنمي الانتماء للأهل والوطن، وتنمي العمل لمصلحة الأبناء والأحفاد الذين لم يأتوا بعد، وتنمي البناء والتراكم.
لأنه [الإنسان] يشعر أن جزءًا مني أعمل لمصلحته، وهم أبنائي وأحفادي سيحتاجون لهذا الوطن، وسيحتاجون لهذا الكون، فنعمرها ولا ندمرها.
إذن كل ما سوف يكون لصالح الأسرة لا بد علينا أن نرى وراءه أنه لصالح المجتمع البشري.
معنى الشقاق بين الزوجين وكونه نقيض الزوجية والاتصال
فندخل إلى الأسرة، فماذا يقول [الله تعالى] في داخل الأسرة؟
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: 35]
أي يعني الرجل والمرأة متخاصمان، غاضبان من بعضهما البعض، في شقاق. وما الشقّ؟ الشقّ هذا فجوة هكذا.
حسنًا، والمطلوب ما هو؟ الزوجية، وهذه الزوجية معناها ما هو؟ الاتصال. إذن الشقاق ضد الزوجية.
فإن خفتم شقاقًا بينهما، هذا ضد أنه زوج لها وأنها زوجة له، هذا لا يصلح. الشقاق سببه ما هو؟ آلاف الأسباب، إذن لن ندخل فيها.
معنى خفتم في الآية ودلالتها على الدراسات المستقبلية والاستباقية
فإن خفتم، وهذه "خفتم" تعني ماذا؟ يعني مندرجة تحت الدراسات المستقبلية، "خفتم" وليس "رأيتم". "رأيتم" يبقى هكذا: سننتظر حتى تقوم الحريق، والرجل يمسك بزوجته وزوجته تمسك به، وانظروا إليهم يجرون إلى المطبخ ليأتوا بالسكاكين لبعضهم البعض، وبعد ذلك حينها نتدخل!
أم أننا نحن نزورهم ونرى هكذا؟ أي أن الكلام ما هو؟ اللسان تأتي منه المصائب، أليس كذلك؟ الرد يعني هو يقول لها: ألا تقومي فتعدّي لنا شايًا؟ فذهبت وقالت له: حسنًا، بنبرة صوت غريبة. الله! هل هي غاضبة منه أم ماذا؟ يوجد شيء هنا.
فيكون ماذا؟ دراسات مستقبلية واستباقية قبل أن يحدث الشقاق.
تعميم منهج الدراسات المستقبلية الرباني في جميع مجالات الحياة
فيكون عندما يأتي [القرآن] ويقول لك: هل أنتم تعرفون الدراسات المستقبلية التي يجب أن تعمّ وتصبح أسلوبًا؟ ما دام ربنا أمرنا بشيء يتعلق بدراسات مستقبلية، فهذا أسلوب رباني إلهي.
نقول إننا نعرف هذا الأمر، فنطبقه في الاقتصاد، ونطبقه في السياسة، ونطبقه في الاجتماع، ونطبقه في كل شيء؛ لأنه منهج رباني.
وهذا من أسس الفهم، من أسس الفهم أنك عندما تفهم شيئًا في القرآن وتجده من المنهج الرباني، أن تعمّمها في باقي المجالات وتبحث عنها في التطبيق النبوي فتجدها وما كنت منتبهًا إليها، وتبحث عنها في الآيات الأخرى فتجدها وما كنت منتبهًا إليها، وهكذا.
الشقاق بين الزوجين يقع على الطرفين معًا وليس على المرأة فقط
حسنًا،
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: 35]
"شقاقًا بينهما"، فهذا يعني أنزل [الله تعالى الحكم على] المرأة والرجل على حدّ سواء، لم يحمل الأمر على المرأة فقط.
أعطى للرجل القوامة وجعل له التدبير، وأعطى له حق المراجعة والقيادة، والذي أعطى له مسؤولية وفي مقابلها سلطة. حسنًا، هذا داخل في ما لم تنفع الحكاية.
وفيه رائحة خوف، هذه تعني رائحة شقاق بينهما. نعم، فيبقى من أحد الطرفين: هي ترى أنها مظلومة وأن الرجل هذا فيه صفات غير لطيفة وغير جيدة، وقد تكون صادقة. وهو يرى أيضًا أنها كذلك، وقد يكون صادقًا. فبسبب هذا وغيره شقاق، ولكن لم يظهر الشقاق بعد على السطح، وإنما يظهر في لحن الكلام.
معنى فابعثوا ودلالتها على مسؤولية المجتمع في الإصلاح بين الزوجين
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا﴾ [النساء: 35]
الله! فابعثوا، من؟ ابعثوا من هؤلاء. "فابعثوا" إذن هنا نتحدث حول ما يسمى بـمسؤولية المجتمع.
فليبعثوا، من هؤلاء الذين يبعثون؟ مع من تتحدث يا رب؟ قوم المسلمين. فليبعثوا، ليفكروا في أن هناك أدوارًا اجتماعية لا بد أن يقوم بها أو تقوم بها جهة معينة في وقت من الأوقات.
تكون هذه الجهة العائلة في وقت، وفي وقت آخر تتحول هذه الجهة إلى مؤسسة، وفي وقت ثالث تتحول هذه المؤسسة إلى قانون ونظام.
كلمة فابعثوا تخاطب جماعة تتطور من الأسرة إلى المؤسسة إلى القانون
ما رأيك أن هذا أو هذا أو هذا اسمها "فابعثوا"؟ هذا يخاطب جماعة. من هذه الجماعة؟ في وقت من الأوقات كانت الأسرة، في وقت آخر تصبح مؤسسة معدّة للرعاية الاجتماعية وللتدخل والإصلاح ذات البين.
يمكن أن تكون في كل حيّ مع رئاسة الحي، يمكن أن تكون بطرق مختلفة، ويمكن أن تتحول إلى قانون ونظام في البلد، وهكذا.
هذه الأنظمة كلها، نعم، هذه مندرجة تحت كلمة "فابعثوا".
كلمة الله تبني حياة كاملة من مناهج ومؤسسات ودراسات
فيبقى الله سبحانه وتعالى الكلمة منه تنفع أن تبني حياة بحالها. تخيّل إذن أنك ستعمل مناهج تعليم تخرّج من يتعيّن في هذه المؤسسة [مؤسسة الإصلاح الأسري]. تخيّل أنك ستعمل مناهج تدير هذه المؤسسة.
تصوّر أنك ستقوم بـدراسات نفسية واجتماعية لتنفيذ أوامر هذه المؤسسة. تصوّر أنك أنت، الله سبحانه وتعالى [أمرك بذلك].
حسنًا، وعندما ستنشئ كليات، نعم، هذه الكليات يجب أن تُبنى بطريقة معينة حتى تُخرّج هذه القضية [المتخصصين في الإصلاح الأسري].
هذا دين علم يا إخواننا، دين علم للعبادة والعمارة. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم.
