سورة النساء | حـ 636 | 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 636 | 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • القرآن الكريم يرشدنا من خلال قوله تعالى "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا" إلى وجود منظومة اجتماعية متكاملة يعيش فيها الإنسان.
  • هناك تكاليف تخص الإنسان كفرد وأخرى تخصه كعضو في جماعة، وثالثة تخص الأمة بأكملها.
  • عبر العصور المتأخرة، اهتم العلماء بالفقه الفردي على حساب فقه الجماعة وفقه الأمة، فطبعت كتب الفقه الفردي ودرست، بينما تأخرت طباعة كتب فقه الجماعة.
  • ألف العلماء قديماً في فقه الأمة مثل الجويني في "غياث الأمم" والماوردي في "الأحكام السلطانية" وغيرهما.
  • هذا التركيز على الفقه الفردي أساء لصورة الإسلام أمام المسلمين وغيرهم.
  • يجب العودة إلى دراسة فقه الجماعة وفقه الأمة وإعادة النظر في المنهج والتفكير.
  • التراث الإسلامي ثري بأسس بناء الدولة والمجتمع، ويحتاج إلى فهم عميق واستنباط دقيق من نصوص القرآن.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في معالجة القرآن لمشكلات الأسرة في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعالج مشكلات الأسرة:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا﴾ [النساء: 35]

أي بين الرجل والمرأة في داخل الأسرة، فابعثوا. من الذي يخاف؟ ومن الذي يبعث؟ إذن يمكن أن ندرك من خلال ذلك أن أمر ربنا بألا يعيش الإنسان في المجتمع وحده، بل لا بد أن يكون في منظومة اجتماعية متكاملة.

التكاليف الشرعية بين الفرد والعضو في المجتمع والأمة

وأنه كما أن هناك تكاليف مردودة إلى الشخص باعتباره فردًا، فإن هناك تكاليف مردودة إلى الشخص باعتباره عضوًا [في المجتمع] لا بد [من الاهتمام بها].

وعندما جئنا وظهرت الطباعة وبدأنا في تدريس كتب الفقه: طبعنا ودرّسنا كتب الفقه التي تتحدث عن التكاليف باعتبارنا أفرادًا، ولم نطبع إلا مرة أو مرتين وبعد مائة سنة من الطباعة التكاليف التي تعود إلى الإنسان عضوًا [في المجتمع].

ولم نهتم بتكاليف أخرى تعود إلى الأمة كأمة، فغلب على عقلنا في المائة الأخيرة الفقه الفردي، واشتكى الناس من ذلك.

شكوى الناس من غياب الفقه الجماعي وانقباض الصدور تجاه العلماء

أما الذين هم خارج نطاق الفقه فلم يدركوا ما المشكلة، معظمهم لا يدركون ما هي [المشكلة]، لا يعرف ما هي القضية، لكنه متضايق، هو متضايق منا [من أهل العلم الشرعي]، غاضب أي غاضب منّا.

لماذا هو غاضب؟ أقول لك ماذا: أنت من طريق وأنا من طريق، فلنجلس ونتفاهم. يقول لك: لا تفعل، أنا أعرفكم وأراكم. وأول عندما يرى عمّه وجبّة وهكذا يحدث في قلبه انقباض.

نوسّع نحن صدورنا ونقول له: فلماذا أنت حزين؟ وتستمر في الحديث معه حتى يقول لك أنت: والله أنتم تقولون لنا أشياء وتريدون أن تفرضوها علينا. ويشعر حينئذ بشعور عجيب غريب؛ لأنه يشعر ولا يعرف كيف يعبّر.

غياب فقه الأمة والجماعة وطغيان الفقه الفردي على المنهج الدراسي

إن فقه الأمة غائب، وإن فقه الجماعة أو الإنسان كعضو في مجتمع غائب باهت، وإن الفقه الفردي الذي يقول له: كيف ستتوضأ؟ كيف ستصلي؟ كيف ستصوم؟ كيف ستسير؟ هكذا معنا في الفقه.

واحدة [بواحدة]: كيف ستبيع؟ كيف ستتزوج؟ كيف ستذهب إلى القاضي؟ كيف ستشهد؟ والله هذا كله من أوله إلى آخره حاشية الشيخ الباجوري كله فردي.

فأين أنا كعضو في جماعة؟ إذن تجد لك هكذا سطرين أو ثلاثة هنا أو هناك هكذا.

مؤلفات العلماء في فقه الجماعة والمؤسسات وتأخر طباعتها

وهل هذه الأشياء [فقه الجماعة] ألّفوا فيها؟ نعم ألّفوا فيها، نعم ألّفوا في الإنسان كعضو في جماعة، أجل.

فماذا إذن؟ ونظّموها وقالوا لك: كيف تُبنى المدرسة، وكيف يُبنى المسجد، وكيف تعيش في وسط المجتمع. فيأتي الزركشي ليعمل شيئًا يقول لك فيه ما هو:

«إعلام الساجد في أحكام المساجد»، نعم هذا يتحدث عن مؤسسة. وإعلام الساجد هذا متى طُبع؟ في السبعينيات، ألف وتسعمائة وسبعين وقليلًا.

فلماذا لم يُطبع في ألف وثمانمائة وثمانية وثلاثين؟ لأنه ليس الأهم حينذاك؛ كان الكتاب المدرسي [هو] الفقه الفردي، فظلّ [فقه الجماعة] متأخرًا.

مؤلفات فقه الأمة عند الجويني والماوردي وأبي يعلى وتأخر طباعتها

أما فقه الأمة فهذا صحيح [له مؤلفات]، الشيخ الجويني له كتاب اسمه «غياث الأمم في التياث الظُّلَم»، والتياث الظلم يعني سيظهر النور وسيزيل الظلمة، يتحدث عن الأمة.

والشيخ الماوردي له «الأحكام السلطانية»، وأبو يعلى الفرّاء له كذلك [الأحكام السلطانية]، وابن المعلم القرشي له «القربى في أحكام الحسبة»، وابن الرفعة وهكذا. وهذا ما يتحدث عن الأمة.

إذن ماذا يعني؟ طيب، متى طُبعت؟ آه طُبعت في الخمسينيات، ألف وتسعمائة وخمسين ولا أدري ماذا هكذا. ولماذا لم تُطبع ألف وثمانمائة وخمسين؟ آه، إذن كان لدينا فقه فردي وفقه للمجتمع وفقه للأمة هذا عبر التاريخ هكذا.

نقد ذاتي لتركيز العلماء على الفقه الفردي ودعوة للعودة إلى الفقه الشامل

لكننا ركّزنا واهتممنا اهتمامًا بليغًا بفقه الأفراد على حساب هذا الفقه [فقه الجماعة والأمة]، فكان هذا نقصٌ عندنا أساء إلى صورتنا أمام الناس من بني جلدتنا وأمام العالمين. نقد ذاتي ندعو فيه العلماء إلى الرجوع [إلى الفقه الشامل].

يقول لي [أحدهم]: حسنًا فأنا أعرف هذا الكلام ولديّ في بيتنا نسختان من الأحكام السلطانية. لا، هذا يجب أن نعود في المنهج، يجب أن نعود في الدراسة، يجب أن نعود في التفكير.

وندعو أيضًا إخواننا الذين ليسوا شرعيين أن يدرسوا هذه الأشياء حتى لا يتضايقوا كثيرًا هكذا، وكلما يرون شيخًا كلما يأتيهم شيء هكذا يعني من انقباض الصدر.

الدعوة لدراسة التراث الإسلامي بعيدًا عن التصنيفات المسبقة للدولة

لماذا [هذا الانقباض]؟ وهو هذا تراث ينبغي علينا أن نرجع إليه. انظر، لا أصل [لهذا الكلام]، هذا انتبه: هذه دولة دينية. قلنا له: لا.

أما فقط واحدة واحدة: بلا جينية، بلا مدنية، ما هو ليس كذلك، عيب! ادرس وانظر، اقرأ وانظر كيف أن هذه الدولة كانت دولة للخروج عن الزمان والمكان، تتجاوز بها هذا الزمان والمكان.

فكيف تطوّرها أنت أيضًا؛ لأنه سامح لك بالتطوير. هذا يعطيك فكرة العمارة، يعطيك فكرة التطوير، يعطيك فكرة كيف تصبح قويًّا، فكرة القوة. لا يعطيك أكثر من هذا.

آية الشقاق تؤسس لهيئة اجتماعية تتغير بتغير الزمان والمكان

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا﴾ [النساء: 35]

يعني قبل أن نتكلم، نحن نتكلم على هيئة اجتماعية تختلف باختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. هو كل هذا أراده الله من الكلمتين هاتين.

فقل لي أنت، قل لي ما معناه؟ أي ما معنى ذلك: أننا نقرأ القرآن لأنه يقول هكذا، قال الله. فلماذا لم نكن ننتبه لذلك من قبل؟

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا﴾ [النساء: 35]

أي عندما يتخاصم اثنان مع بعضهما البعض ابعثوا لهما. نعم، ألست تفكر؟ إنها أزمة التفكير؛ لست راضيًا أن تفكر، تأخذ الأمور بسطحية وهذا ليس كتابًا سطحيًّا.

القرآن هدى للعالمين ويستوجب التفكير العميق والتطبيق لا السطحية

هذا كتاب هدى للعالمين، ما هذا التحدي؟ ما هذا؟ فأنا أنزلته منزلته بأنه هدى للعالمين، أنت لم تُنزله هذه المنزلة. أنت قلت نصًّا: ربما محمد هو الذي ألّفه وانتهى الأمر ولا داعي لإرهاق الدماغ. لا يا أخي، القضية ليست هكذا.

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا﴾ [النساء: 35]

هذا يتحدث عن حكاية أخرى، قصة أخرى عميقة جدًّا، فأين تفاصيلها؟ هيا يا سيدي: تكلّم، فكّر، أنشئ، نفّذ.

لكن هكذا لا نريد أن نفكر، ولا نريد أن نفهم، ولا نريد أن نطبّق، فهذا حال لا يرضي الله.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.