سورة النساء | حـ 644 | 365 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 644 | 365 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص مفهوم الآية القرآنية "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً" موضحاً أن الإسلام نظام اجتماعي شامل يربط بين أفراد المجتمع الداخلي والخارجي.
  • يركز على مفهوم "ابن السبيل" كمثال على شمولية القيم الإسلامية، فهو يشمل كل محتاج للمساعدة بغض النظر عن دينه أو جنسه أو لغته.
  • يؤكد أن المسلمين عبر التاريخ احترموا حرية الاعتقاد، ولم يكرهوا أحداً على الدخول في الإسلام، ودليل ذلك استمرار وجود أتباع الديانات الأخرى في المجتمعات الإسلامية.
  • يبين أن تطبيق الشريعة لا يقتصر على الحدود، بل يشمل إنشاء مؤسسات اجتماعية لرعاية الضعفاء مثل اليتامى والمشردين وابن السبيل.
  • يوضح موقف الإسلام من الرق وكيف ضيق مصادره وفتح أبواب العتق حتى انتهى.
  • يختم بالتحذير من الكبر والاختيال، مبيناً أن عدم الرعاية الاجتماعية والخلل في الإيمان يؤديان إلى التكبر.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الإحسان بالوالدين والجار وابن السبيل من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلْجَنبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النساء: 36]

ترتيب الآية في الانتقال من الأسرة إلى المجتمع ثم إلى ابن السبيل القادم من الخارج

بعدما انتهى [القرآن الكريم في هذه الآية] من الأسرة والعائلة، والأسرة البديلة، وبعدما انتهى من رعاية الأسرة الضعيفة لتقويتها، وبعدما وصل بين أطراف المجتمع الداخلي على المستويات المختلفة؛ مثل القريب والجار، ومثل القريب والجار الجُنُبي [البعيد]، والصديق الذي بجانبه، انتقل إلى من يرد إلينا من الخارج في المجتمع وهو ابن السبيل.

إذن فالقضية ليست قضية تعصب ديني، ليست قضية تعصب عرقي؛ لأن ابن السبيل مطلق، قد يكون مؤمنًا وقد يكون كافرًا، قد يكون من جنسنا ومن وطننا وقد يكون من خارج الأوطان، قد يكون يتكلم لغتنا وقد لا يكون كذلك، فأطلق، وإذا أطلق عمَّم.

﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النساء: 36]

إذا فهي قضية إنسانية، فالله سبحانه وتعالى في الاجتماع البشري علَّم المسلمين كيف يكونون إنسانًا.

شهادة التاريخ على تسامح المسلمين وعدم إكراههم أحدًا على الدخول في الإسلام

وهذا هو الذي حصل عبر التاريخ؛ لم يفتحوا [المسلمون] محاكم للتفتيش، لم يُكرهوا أحدًا على الدخول في الإسلام، ولم يُبيدوا شعوبًا، ولم يوزعوا عليهم بطاطين السم، ولم يُسمِّموا الأنهار كما فعل آخرون بالعالم.

بل هؤلاء [المسلمون] عبدوا الله فأحسنوا العبادة، وعرفوا أن ذلك الإنسان كما علَّمهم الله أنه بنيان الرب فاحترموه، وتركوه حرًّا طليقًا يمارس ما اعتقده وإلى يومنا هذا.

الدليل التاريخي على تسامح المسلمين بوجود أديان متعددة في بلادهم إلى اليوم

أي أن هناك أشياء دليلها معها، فما الدليل على أن المسلمين تركوا الناس [أحرارًا في عقائدهم]؟ إننا ما زلنا موجودين ومعنا أديان أخرى في محور المسلمين [بلاد المسلمين].

ليس فقط أهل الكتاب من اليهود والنصارى، بل هناك مجوس وهناك هندوس، هذا موجود في البوذية، وهذا موجود في الشنتو، وهذا كله موجود في محور المسلمين إلى يومنا هذا.

فالقضية ليست قضية أننا تعصبنا ضد أحد، بل هي قضية أننا قد فهمنا الإنسان كما أراده الله:

﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]

منهج الإسلام في البلاغ والبيان مع ترك الناس على حريتهم دون إكراه

نعم، إذن نحن نبيِّن ونوضح ونبلِّغ ولا نخاف في الله لومة لائم، وفي الوقت نفسه نترك الناس على حريتها:

﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]

وابن السبيل يعني أنني أُمرت أن أراعي ابن السبيل، نعم، هذا حتى لو كان مشركًا:

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَـٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]

مقارنة بين أمر الإسلام بإبلاغ المستجير مأمنه وبين واقع أجهزة الهجرة في العالم

يعني اشترِ له التذاكر وأوصله إلى بلده. هل يوجد أحد يفعل هذا في جهاز الهجرة في العالم كله؟ إنهم يحتجزونه في المطار حتى يأتي له صاحب، وما يريدون أن يدفعوا له.

هذا ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6]، مأمنه! لعله كان مسلمًا، لا، مشركًا وعابد أوثان! هذا هو المتَّهم والمفترى [عليه، أي الإسلام الذي يُتَّهم بالتعصب].

التدبر في كلمة ابن السبيل والتفكير في كيفية تنفيذها عمليًا لأنها كلام رب العالمين

﴿وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ﴾ [النساء: 36]

كلمة واحدة، إنما اجلس الآن وتدبَّر في الكلمة كيف ستنفذها؛ لأن هذا ليس كلام الناس، هذا كلام رب العالمين، هذا ليس كلمة كتبها أحد في مكان هنا أو هناك، في كتاب أو في مقال أو في قصيدة شعر، لا، هذا كلام رب العالمين.

ولذلك تجلس أمام الكلمة ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وتتخيل ابن السبيل: كيف ابن السبيل؟ ماذا أفعل في ابن السبيل؟ حسنًا، أنا أُنشئ مؤسسة، كيف؟ لرعاية ابن السبيل. أضع نُظُمًا، كيف؟ حتى أنفذ هذه الآية. هذا هو التفكير الذي يريده الله منا؛ نحن نفكر ونحتال [نبحث عن الوسائل] لتطبيق الشريعة.

تطبيق الشريعة الحقيقي هو إنشاء مؤسسات لرعاية ابن السبيل والأيتام والمشردين

عندما يقول لك تطبيق الشريعة ليس أن أمسك وأقطع يد السارق وأجلد، لا ليس كذلك، هذا أمر بسيط جدًا. هذا في ظل الشريعة هو أن تنشئ مؤسسة لترعى ابن السبيل الذي لم يرعه أحد حتى الآن.

تنشئ مؤسسة لتقضي على أطفال الشوارع الذين يسمونهم المشردين، المشردون يعني لا يوجد لهم بيت. تنشئ مؤسسة لكي ترعى الأيتام. تنشئ مؤسسة [لرعاية ما ملكت أيمانكم].

موقف الشريعة من ملك اليمين وتشوف الشرع إلى العتق حتى أُلغي الرق

﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ﴾ [النساء: 36]

نقطة الضعف البشرية في النظام البشري الذي نزل فيه القرآن [هي الرق]، ما ملكت أيمانكم. فضيَّق الله من مصادر ملك اليمين وألغى كثيرًا منها وحرَّمها، وفتح الباب. وانظر إلى تشوُّف الشرع للعتق إلى أن منَّ الله علينا أن وافقنا جميعًا على [إلغاء] الرق، فأُلغي الرق وباركنا هذا.

﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ نؤديها، أين؟ نحن نريد أن نعيد الرق مرة أخرى حتى تكون هذه الآية [سارية المفعول]؟ هو ليس كذلك، ليس كذلك. لا، هذا في أشياء نعالجها لأنها موجودة، فإن اختفت فمع السلامة، ما نحن نريدها.

انتهاء حكم ملك اليمين بزوال محله وتشوف الشرع للعتق عبر التاريخ الإسلامي

فـ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ انتهت، ما ملكت أيمانكم، الحمد لله أنها [انتهت]. هذا نحن جالسون في الكتب الفقهية كلها نقول هكذا: والشرع يتطلع إلى العتق.

والشرع ولدينا أحكام غريبة عجيبة للرق؛ لأن الشرع يتطلع إلى العتق. وعكسنا الأمور والأحكام؛ لأن الشرع يتطلع إلى العتق. فلماذا هكذا تفعل به هكذا؟ لماذا؟

هنا ووضعناها آخر باب العتق، وضعناها في عبر التاريخ الإسلامي آخر باب. لماذا آخر باب؟ حتى نحذفه عندما يُلغى، نحذفه عندما يُلغى. أُلغي، ذهب المحل، الحمد لله أنه ذهب المحل.

النهي عن الاختيال والفخر وعلاقة غياب الرعاية الاجتماعية بالتكبر في الحضارات

وهكذا:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]

الثقة الزائدة هذه في النفس، والتكبر الذي لا طعم له ولا معنى:

قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل الجنة متكبر»

وقال ﷺ: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كِبْر»

ولا يدخل الجنة كل جبار عنيد، متكبر مختال فخور.

وكان عدم الرعاية الاجتماعية والخلل في الإيمان بالله يؤدي إلى الكبر، وهذا ما نراه في كثير من الحضارات البائدة والباقية؛ نرى فيهم كبرًا وتكبرًا لا نعرف من أين يأتي، لا نعرف لأنه لا يقوم بعمل هذا [الإحسان الاجتماعي] أو هكذا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.