سورة النساء | حـ 645 | 37-38 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص الآية الكريمة "الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله" وأهمية الإنفاق كأساس للاجتماع البشري.
- •فرض الله الزكاة كركن من أركان الإسلام، ويقاتل مانعوها كما فعل الصحابة، وقال الشافعي إن الفقير يقاتل إذا امتنع عن أخذها لأنها واجب عليه.
- •ارتقت حقوق الإنسان في الإسلام لتصبح واجبات، فحفظ الحياة والعقل والدين والكرامة واجبات لا يمكن التنازل عنها.
- •في المال حق سوى الزكاة كالأوقاف والصدقات الجارية، ومن يكتم فضل الله عليه ويبخل فله عذاب مهين.
- •ذم النبي ﷺ المجدفين الذين يكذبون عند سؤال المحتاج ويدعون الفقر وهم أغنياء.
- •كما ذم الله الذين ينفقون رياء الناس، فهؤلاء لا ثواب لهم لأنهم يبتغون الشهرة والمجد وليس وجه الله.
مقدمة سورة النساء وإرشاد الله لرعاية المجتمع البشري
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يرشدنا في خطوات متتالية لرعاية المجتمع البشري، وكيف يكون [هذا المجتمع]؛ بعدما وضّح أساس هذا المجتمع في أول السورة، وأنه هو العلاقة بين الرجل والمرأة، ونظّم لنا الحياة وما بعد الممات.
وجوب الإنفاق والزكاة كأساس من أسس الاجتماع البشري
يقول [الله تعالى]:
﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: 37]
يعني أن من أسس الاجتماع البشري الإنفاق؛ فلو أنهم كنزوا المال، أوجب الله عليهم الزكاة فرضًا محتمًا وركنًا من أركان الدين، حتى أنه إذا مُنعت الزكاة ومُنع تدفق هذا المال للمجتمع يُقاتَل من أجله، كما قاتل الصحابة مانعي الزكاة.
حكمة الإمام الشافعي في وجوب أخذ الفقير للزكاة وقتاله عليها
والشافعي بفقهه ونور بصيرته يقول: إنهم لو أخرجوا الزكاة فامتنع الفقير عن أخذها لقُوتِل الفقير حتى يأخذها.
أرأيت هذه الحكمة؟ من هذا المنطلق سيقول له [الحاكم]: خذ حقك، فإذا قالوا: لا، إننا نتعفف، قال لهم: إذن انتظروا حتى نأتي بالسيف.
تحويل الحقوق إلى واجبات في الإسلام والفرق بين الحق والواجب
يقولون لك إن المسلمين عندهم عنف، لا، هذا ليس عنفًا، هذا تحويل الحق إلى واجب.
نحن ندعو إلى حقوق الإنسان وحقوق النساء وحقوق الأطفال، لا، هذه الأشياء ليست عندنا حقوقًا فحسب، بل ظلت ترتقي وترتقي حتى أصبحت واجبات.
ما هي حقوق الإنسان [في الإسلام]؟ حفظ الحياة هذا واجب أن تحافظ على الحياة، حفظ العقل هذا واجب أن تحافظ على العقل، حفظ الدين هذا واجب أن تحافظ على النظام والدين، حفظ كرامة الإنسان هذا واجب عليك ليس حقًا فحسب؛ لأن حقك يمكن أن تتنازل عنه، والواجب لا تستطيع أن تتنازل عنه، هذا فرض عليك.
تحول الحقوق إلى واجبات ووجوب أخذ الفقير للزكاة لتحقيق مقاصدها
فتحولت عندنا الحقوق من قوتها وبهائها وإلزامها واجبات. ولذلك وأنا أقول للفقير: تعال خذ حقك، فيقول لي: لا، هذا يقدح في [كرامته]؛ [لكنه] واجب عليه أن يأخذ حتى تدور آية الزكاة في المجتمع وتفعل فعلها الذي أراده الله.
فإذا كنز [المال] ولم يُخرج الزكاة كانت هذه الأموال وبالًا عليه يوم القيامة ويُحمى عليها في النار.
وجوب إخراج حقوق في المال غير الزكاة كالأوقاف والصدقات
طيب، هل هذه الأموال ليس فيها إلا فرض الزكاة؟ أبدًا، في الحديث:
«وفي المال حق سوى الزكاة»
ولذلك عندنا الأوقاف والصدقات الجارية والصدقات المباشرة. يجب عليك أيها المسلم أن تُخرج شيئًا غير الزكاة، لا تبخل.
هذا قليل الشيء، هذا الفرض الذي من الله [به عليك] هذا واجب، لكن لا تسكت ولا تنكر فضل الله عليك.
ذم البخل وكتمان نعمة الله والأمر بالبخل بين الناس
﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾ [النساء: 37]
لماذا [يأمرون الناس بالبخل]؟ عندما آتي أقول له: ادفع، يقول لك: من أين هذا؟ أنا عليّ ديون مكدسة! فيبقى على الفور يفعل ماذا؟
﴿وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 37]
وانظر كلمة «فضله» تعني زيادة، تعني: أنا أعطيتك لتأكل وتشرب وتركب وتتزوج وتسكن وتتعالج، احجز هؤلاء [أي هذه الحاجات الأساسية]، الباقي هذا كله الذي معك، ما هذا من فضل الله؟
معنى كلمة فضل وإنكار نعمة الله وعاقبة البخل والأمر به
انظر إلى كلمة فضل، فضل يعني ماذا؟ يعني زيادة. وعندما تنكر فضل الله وتقول: لا يوجد شيء، فما وضعك؟ وضعك - لا مؤاخذة - أسود من قرن الخروب، لا تأخذني بسوء، انظر كيف أسود من قرن الخروب عند الله.
﴿ٱلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبُخْلِ﴾ [النساء: 37]
هذه درجة أعلى [في الذم]؛ أنه يقول لزميله: اتركك من هؤلاء الناس، إياك أن تعطيهم شيئًا. لماذا قال له [ذلك]؟ أنت نحن ضامنون المستقبل؟ ما نحن وراءنا تكاليف كثيرة، الملايين المُمَلْيَنة هذه أيضًا تكاليف كثيرة ولسنا ضامنين المستقبل. هذا أنت لو أمسكت ثروتك وألصقتها على الحائط هكذا وجلست تأخذ كل يوم ورقة بمائة تصرفها لن تنتهي.
نعي الله على البخلاء والعذاب المهين للكافرين بالنعمة في الدنيا والآخرة
نعى الله على هذا الصنف نعيًا شديدًا حتى قال:
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَـٰفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: 37]
يعني الكافرين بالنعمة المنكرين لها، عذابًا مهينًا. والعذاب المهين قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة.
حديث النبي عن أحب الأعمال إلى الله وهي سبحة الحديث
النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«أحب الأعمال إلى الله سُبْحة الحديث»
قالوا: وما سُبْحة الحديث يا رسول الله؟ قال: القوم يكونون يتكلمون والرجل يسبّح، أي قلبه معلّق بالله والناس تتكلم وهو جالس لسانه يذكر [الله]، أو قلبه يذكر [الله]، وفي الخفاء هكذا لا أحد ينتبه إليه.
أشر الأعمال عند الله التجديف وهو الكذب وإنكار النعمة
وأشرّ الأعمال - هذه أحسن الأعمال هي أفضل الأعمال عند الله - أشرّ الأعمال ما هي إذن؟ قال [النبي ﷺ]: التجديف.
ما هذا [التجديف]؟ جدّف هذا يعني كذب وخادع وتماكر، المجدّفون يعني [المحرّفون] الآية المحرّفون.
التجديف - قالوا: وما التجديف يا رسول الله؟ كلمة غريبة على أسماعهم كأنه مصطلح [جديد]. قال: الرجل يكون بخير يأتيه السائل، يقول: أنا بشر، أنا ما معي شيء، سأحضر لك من أين؟ هذا أنا مدين لأناس! وهو كله كذب، كأنه يترجم عن هذه الآية الشريفة [في ذم كتمان فضل الله].
ذم الإنفاق رياءً وعدم الإيمان بالله واليوم الآخر وقرين الشيطان
يقول ربنا سبحانه وتعالى في مقابل ذلك [أي في مقابل البخل]:
﴿وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُمْ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ [النساء: 38]
أيضًا هؤلاء عبارة عن أناس أنفقوا، لكن لا ثواب لهم عند الله؛ لأنهم يفعلون هذا لأمر آخر: منهم لبناء المجد، ومنهم لبناء الشهرة، ومنهم حتى يُثني الناس عليهم، وليس لوجه الله.
﴿وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيْطَـٰنُ لَهُ قَرِينًا فَسَآءَ قَرِينًا﴾ [النساء: 38]
فاللهم احفظنا يا رب العالمين، واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
