سورة النساء | حـ 646 | 39-40 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يقدم القرآن الكريم في سورة النساء تساؤلاً: ماذا على الناس لو آمنوا بالله واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله؟
- •الإيمان بالله يمنح الإنسان الطمأنينة والسكينة، ويجعل له مرجعاً يعود إليه في الشدائد.
- •الإيمان باليوم الآخر يعطي للحياة معنى، فبدونه تصبح الحياة بلا هدف ولا غاية.
- •من لم يؤمن بالله واليوم الآخر قد يصاب بالاكتئاب أو يقدم على الانتحار.
- •كثير من الناس يهربون من الإيمان بسبب الالتزام وليس لاقتناعهم بعدم وجود الإله.
- •الإنفاق في سبيل الله هو رد جزء مما رزقنا الله، وهو تعبير عن الإنسانية والشعور بالآخرين.
- •الله عليم بنوايا المنفقين وإخلاصهم ومقدار إيمانهم، ولا يظلم مثقال ذرة.
- •الله يضاعف الحسنات ويؤتي من عنده أجراً عظيماً.
- •إخلاص النية لله يعني الإيمان به ورجاء ثوابه وتصديق وعده.
مقدمة تفسير آية من سورة النساء في الإيمان بالله والإنفاق
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى ويرشد الخلق إلى دين الحق:
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ﴾ [النساء: 39]
يعني ماذا سيحدث؟ شيء جميل كله.
ثمرات الإيمان بالله في طمأنينة النفس وراحة البال
الإيمان بالله يطمئن النفس ويهدئ البال، ويجد الإنسان لنفسه مرجعًا يرجع إليه ويدعو: يا رب، فيخفف عنه الهم ويسعده من شقائه، ويفعل معه الخير كله.
وإيمان باليوم الآخر يجعل للحياة معنى. أي تتصور أن الحياة هذه ليس فيها إله وليس فيها يوم آخر؟ كما قال بعض مشايخنا: تصبح مصيبة كبيرة! والله ماذا سنفعل بها هذه [الحياة]؟ ما دام لا يوجد رب ولا يوم آخر!
تصور الحياة بلا إيمان طريق مسدود يؤدي إلى الاكتئاب والانتحار
هذا نكد، ما هذا التخيل؟ هذا تخيل أسود، طريق مسدود. فما غرض هذه الحياة؟ وما نحن نفعل هنا؟ ولماذا هذا النكد وهذا الألم والمرض والشقاء والصدام والنزاع؟
هذا [بدون إيمان] لا توجد قضية بعد، ولا الحياة لها معنى ولا طعم. ولذلك كثير ممن اعتنق الإلحاد الأسود ولم يؤمن باليوم الآخر إما أن يصاب بالاكتئاب وإما أن يصاب بالانتحار.
سؤال القرآن الكريم ماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر
ولذلك جاء السؤال [في الآية الكريمة]: ماذا سيحدث لك من أصناف البلاء والشقاء لو أنك آمنت بالله واليوم الآخر؟
الإجابة: لا شيء، بل إننا سنسعد.
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 39]
آه، سؤال مهم هذا! لو آمنوا بالله واليوم الآخر، فإذا آمنا بالله واليوم الآخر فماذا سنفعل؟ سنلتزم، نعم.
سبب هروب البعض من الإيمان هو الخوف من الالتزام لا إنكار الحق
إذن هم يهربون من الإيمان بالله واليوم الآخر بسبب الالتزام، وليس لأن الحق أنه لا يوجد إله ولا يوجد يوم آخر. كلا، فالحق أن هناك إلهًا وهناك يومًا آخر، ولكن المسألة أنك ستلتزم.
وماذا الذي سينقصكم في الالتزام؟ يعني وسيتعبكم الإنفاق؟ يعني كان معكم مائة جنيه، أنفقتم في سبيل الله عشرة، فيبقى نقص وأصبحت المائة تسعين.
حقيقة الإنفاق أنه من رزق الله وليس من مال العبد
فيذكركم [الله]: ومن الذي أعطاكم المائة إن شاء الله؟ هو الله! فلما رددتم له عشرة لكي يدخلكم بها الجنة، أعطيتم من عندكم أم أعطيتم مما رزقكم الله؟ أعطيتم مما رزقك الله.
وماذا فعلت بهذا [الإنفاق]؟ أصبحت إنسانًا أنفقت في سبيل الله فأعنت أخاك، فشعرت بأنك بني آدم تحس وتشعر بشعور الآخرين.
معنى علم الله بالمنفقين وأعمالهم ونياتهم في الآية الكريمة
﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءَامَنُوا بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: 39]
يعني هذا [الإنفاق] ليس رغمًا عنك من إنفاقك، وليس من جيبك؛ هذا مما رزقك الله. إلا أنه بالإضافة إلى ما حققته من إنسانية وشعور طيب وشعور بالآخرين في الدنيا، لك أجر عند الله.
إخلاص النية لله يعني الإيمان به ورجاء ثوابه وتصديق وعده
عندما تتبع هذا [الإنفاق في سبيل الله] فتخلص النية لله، وإخلاص النية لله معناه ما هو؟ أنه أولًا إنك آمنت به. وإخلاص النية لله معناه ما هو؟ إنك رجوت ثوابه وصدقت وعده.
«أربعون خصلة أعلاها منيحة العنز، من عمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها أدخله الله بها الجنة»
فإذا كنت تصدق أن في يوم آخر وترجو ثواب الله فيه، وترجو أن يقبلك الله سبحانه وتعالى.
علم الله بالنية والإنفاق وفضل إخفاء الصدقة
فهناك من يشير لك إلى كل هذا ويقول لك إن ربنا سبحانه وتعالى عليم بك وعليم بنيتك وعليم بما أنفقت. ولو حرصت على أن لا تعلم يدك اليسرى ما أنفقت يدك اليمنى، ورجل أنفق نفقة في سبيل الله فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه.
لكن من الذي يعلم؟ الله! ومن هنا جاء:
﴿وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: 39]
بهم: بالذي دفعته، وبنيتك، وبمدى إيمانك، وبمدى تعلقك بالثواب والأجر وإلى آخره.
شمول علم الله بكل شيء وعدم ظلمه مثقال ذرة من الحسنات
فيبقى العلم هنا ما جاء إذن؟ كله ليس بنيتك فقط ولا بإيمانك فقط ولا كذا إلى آخره. فما معنى أنه سيعطيني قدر ما أنفقته؟
ما هو كان الإنسان أكثر شيء جدلًا، ويأخذ ويعطي هكذا، وما هو ليس يسارع إلى مغفرة من ربه، لا بل يتلكأ. ولكن بعض الناس يعني، فقال [الله تعالى]:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40]
يعني هذا وأنت تقرأ، تتخيل الإنسان الذي هو أنت يعني، الذي موجه إليه هذا الكلام.
دعوة الله للإيمان والإنفاق مع وعده بمضاعفة الحسنات والأجر العظيم
هذا واحد ربنا يقول له: آمن بي وباليوم الآخر وأنفق مما رزقتك؛ لأن أنا عالم بكل شيء عنك. فيقوم يخطر في بال واحد كذلك يقول: يعني سيعطيني كم؟ لا يوجد فائدة [من] الجدل، وكم سيعطيني؟
فقال له:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40]
والذرة كما قلنا من قبل إما أن تكون هي النملة، وإما أن تكون هي الغبار الذي يظهر في شعاع الشمس؛ أي شيء بسيط جدًا.
﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40]
لكي يهدئ بالك، ويؤت من لدنه أجرًا عظيمًا بعد المضاعفة. أي اخجل الآن وأنفق!
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
