سورة النساء | حـ 649 | 43 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 649 | 43 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • قوله تعالى "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى" يأمر المؤمنين بحفظ العقل وابتعادهم عن السكر وقت الصلاة.
  • الآية تشير إلى أهمية تمام الإسناد في اللغة، حيث يجب انتظار المعنى الكامل للكلام.
  • هناك فرق بين "لا إله" و"لا إله إلا الله"، فالأولى إلحاد والثانية توحيد.
  • جملة "وأنتم سكارى" حالية توضح متى يُمنع الاقتراب من الصلاة، وبدونها يتغير المعنى.
  • كثير مما يذاع في عصرنا يفتقر إلى تمام الإسناد، فتفقد اللغة معناها ويصبح التفكير غير مستقيم.
  • التلاعب بالإسناد وعدم اكتماله يؤدي إلى فهم عكس المراد، فالآية تأمر بالصلاة مع صفاء العقل.
  • ذكر الآية في سورة النساء إشارة لأهمية العقل في صلاح الاجتماع البشري.
  • يجب على الإنسان أن يكون واعياً بما يقول، وعلى السامع أن يتم الإسناد ليفهم الكلام على وجهه الصحيح.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تفسير آية النهي عن قرب الصلاة في حالة السكر من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [النساء: 43]

يخاطب المؤمنين، يستثير فيهم إيمانهم:

﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]

فالله سبحانه وتعالى أمرنا بـحفظ العقل، وابتداءُ حفظ العقل يفيد في العبادة؛ فبدأ بها. أرادنا إذا ما ذهبنا إلى الصلاة أن نذهب ومعنا كمال عقلنا، والذي يذهب وليس معه كمال العقل لا تُقبل صلاته؛ فأمرنا أن نبتعد عن السكر وقت الصلاة ابتداءً.

وجوب تمام الإسناد اللغوي وأهميته في فهم النصوص الشرعية

﴿لَا تَقْرَبُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَـٰرَىٰ﴾ [النساء: 43]

في هذه العبارة من الآية الكريمة أمرٌ لغوي مهم، وهو وجوب تمام الإسناد. كان مشايخنا يقولون لنا هكذا: يجب أن يتم الإسناد، يعني أن يتم الإسناد. ماذا يعني [تمام الإسناد]؟ أن تنتظر حتى آخر الكلام.

هناك فرق بين «لا إله» وبين «لا إله إلا الله»؛ «لا إله» هذه قلة أدب وإلحاد، أما «لا إله إلا الله» فهذه قمة التوحيد. فيجب أن تنتظر إلى أن [ينتهي المتكلم] من الكلام.

خطورة بتر الكلام وعدم اكتمال الإسناد في فهم الآيات القرآنية

﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ ثم صمت! الله هو ربنا، أمر بعدم الاقتراب من الصلاة؟! هذا ربنا أمر بالصلاة كثيرًا في الكتاب والسنة:

﴿وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ﴾ [البقرة: 43]

أين هذا [من قول من يقول]: «لا تقربوا الصلاة» هكذا؟ لا، يجب أن نقول: «وأنتم سكارى».

هل المعنى تامٌّ في «لا تقربوا الصلاة» وحدها؟ الإسناد لم يكتمل. المعنى اكتمل في ماذا؟ في جملة مثل «لا تقربوا الصلاة» يمكن أن تكون جملة مفيدة، لكن تمام الإسناد لم يكتمل؛ لأن هذا يعلّقها على حال: «وأنتم سكارى». هذا يسمونه جملة حالية، حال كونكم سكارى. الواو هنا بعدها جملة حالية: «وأنتم سكارى»، أي حال كونكم في هذه الحالة لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.

أثر عدم تمام الإسناد على فقدان اللغة معناها وانهيار التواصل الاجتماعي

فكثير جدًّا مما يُذاع ويُشاع في عصرنا الحاضر يتم مع عدم كمال الإسناد، حتى فقدت اللغة معناها وأصبح التفكير تفكيرًا غير مستقيم. فكثيرًا ما نقرأ ونجد أن الناس فهمت عن الناس من غير تمام الإسناد.

وهذه مشكلة اجتماعية، نعم؛ عندما تفقد اللغة وظيفتها، وعندما نصبح نتكلم مثل الصم — حوار الصم — وعندما لا نفهم بعضنا البعض، يضيع الاجتماع البشري.

سر ورود آية النهي عن السكر في سورة النساء المتعلقة بالاجتماع البشري

سبحان الله! ما الذي جاء بهذه الآية إلى هنا؟ ألسنا في سورة الاجتماع البشري [سورة النساء]؟ ما الذي جاء بـ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾ هنا في سورة الاجتماع البشري؟

هذا ينبّهنا من طرفٍ خفي؛ لأن الكتاب [القرآن الكريم] كتاب هداية، كتابٌ تقف أمام كل شيء فيه وتتأمل وتتدبر وتفهم وتبني. بالإضافة إلى حفظ العقل — وهو أساس من أسس الاجتماع البشري — إلا أنه فيه إشارة لشيء آخر، وهو أنه لا بد من تمام الإسناد حتى نفهم.

مثال على التلاعب بالإسناد اللغوي وبتر آية ويل للمصلين لتبرير شرب الخمر

أحدٌ يتلاعب ويشرب الخمر وينسى نفسه، هكذا قال لك: ما قال ربك؟

﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: 4]

ولكن [الآخر] قال: ويلٌ للذين يشربون الخمر. قلنا له: لا. قال: ألم يقل أيضًا ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾؟ قلنا له: نعم. قال: إذن يجب أن أشرب الخمر ولا أصلي لئلا أدخل النار!

نعم، هذا عكس المقصود، هذا تلاعب باللغة. ما رأيك أننا نعيش في هذه الحكاية ليلًا ونهارًا؟ نعم، ثم ينتشر الكذب؛ أناسٌ يكذبون على بعضهم البعض.

حسنًا، ولماذا هذا؟ لأنهم لم يفهموا. حسنًا، ولماذا لم يفهم؟ لأنه لم يتم الإسناد. حسنًا، وهذا يكون مثل ماذا؟ مثل «ولا تقربوا الصلاة» [مبتورة عن تتمتها].

خطورة الكلام المبتور وضرورة الوعي بتمام الإسناد لصلاح المجتمع

وصار مثلًا عند المسلمين: عندما يختل الفهم ولا يريد أحدهم أن يفهم أخاه، يقول له: ماذا ستفعل إذن؟ «ولا تقربوا الصلاة»؟ يعني أنك تتكلم كلامًا مبتورًا حتى يفهم الناس عكس المراد.

هذا [القرآن] يأمرك أن تصلي وأن تبتعد عن المسكر، لا يأمرك أن تسكر وتبتعد عن الصلاة.

تمام الإسناد: عندما يصبح هذا الكلام — هذا العلم — ننزّله في الحياة، يقول [المرء]: هؤلاء الجماعة ماذا يفعلون؟ يتلاعبون بالإسناد، يتلاعب بتمام الإسناد، تلاعبَ به.

وجوب حفظ العقل لتحقيق الوعي وصلاح العبادة والمجتمع البشري

ولذلك ينبغي علينا أن نرجع إلى الوعي. والوعي هذا من أين يأتي؟ يأتي من العقل الذي أمرنا الله أن نحفظه، ليس من أجل العبادة فقط، بل من أجل صلاح الدنيا أيضًا وصلاح المجتمع البشري.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 43]

لماذا؟

﴿حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]

يبقى إذن لا بد للإنسان من أن يكون واعيًا بما يقول، مريدًا له، قاصدًا إياه. ويجب على السامع أن يُتمّ إسناده حتى يفهمه على وجهه.

الانتقال إلى حكم الجنب والإحالة إلى حلقة قادمة والختام

ثم انتقل [السياق القرآني] إلى شيء آخر فقال:

﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43]

وهذا مقامه في حلقة قادمة إن شاء الله.

فنستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.