سورة النساء | حـ 650 | 43 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 650 | 43 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • يشرح النص آية "لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون" موضحاً توجيه الخطاب للمؤمنين فقط.
  • الإيمان شرط لصحة العبادات، فوضوء غير المسلم لا يكفي حتى لو استوفى أركانه.
  • استحضار العقل له درجات: منها العقل الظاهر المتمثل في عدم السكر، والعقل الكامل المتمثل في عقل الأمة.
  • أمر الله بحفظ العقل يتجاوز حفظ العقل الظاهر إلى أمور أشمل كالتعليم ومحاربة الجهل.
  • الإسلام أكد على العلم، خاصة العلم المستنير الذي يربط المعرفة بالله.
  • الدجل والشعوذة والتشويش على الفكر حرام لأنه يقدح في العقل.
  • استخدم القرآن "حتى" مرتين: للدلالة على الغايات في "حتى تعلموا ما تقولون"، وللدلالة على المآلات في "حتى تغتسلوا".
  • الوعي القويم يسبق السعي السليم لتحقيق الأهداف.
  • تشير الآية إلى وجود شروط وأحكام وغايات ومآلات في العبادات.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية النهي عن قرب الصلاة في حال السكر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 43]

توجيه الخطاب للمؤمنين واشتراط الإسلام لصحة العبادات

وهنا يعلمنا الله سبحانه وتعالى عندما نأخذ الآيات ونقوم بتحليل مضمونها؛ فنرى أنه قد وجه الكلام للمؤمنين وليس للناس أجمعين.

ومن هنا أخذ الفقهاء أن العبادات تحتاج إلى شروط صحة، وأول هذه الشروط الإسلام؛ فإذا توضأ شخص [غير مسلم] فإن هذا الوضوء ولو استوفى أركانه لا يكون مقبولًا مهيئًا للصلاة إلا إذا كان قد صدر من مسلم.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾ [النساء: 43]

إذن فنحن نتعامل هنا في دائرة الإسلام، في دائرة الإيمان بهذه العبادات.

حكم وضوء من أسلم حديثًا وضرورة إعادته بعد الإسلام

ولذلك إذا دخل أحدهم الإسلام وكان قد توضأ قبل إسلامه، فإن هذا الوضوء عند الفقهاء لا يكفي، بل لا بد له أن يتوضأ مرة أخرى بالرغم من أنه قد غسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه.

وذلك لأن الخطاب هنا — وذلك من عند الله — قد توجه للمؤمنين، فأصبح الإيمان شرط صحة.

وجوب استحضار العقل في الصلاة ودرجاته الظاهرة والباطنة

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 43]

إذن فقد أوجب علينا أن نكون مستحضرين العقل، واستحضار العقل له درجات؛ فقد يكون استحضار العقل بعدم السكر، وهذا هو العقل الظاهر.

فالذي لم يسكر يستطيع أن يفكر من غير تشويش ولا تغبيش، ويفكر التفكير المستقيم؛ يستطيع العقل حينئذ أن يؤدي وظائفه فيفهم ويتذكر ويسترجع ويؤدي ويرتب أركان الصلاة وهكذا.

حفظ العقل الكامل للأمة يستلزم التعليم وطلب العلم

لكن لما أمرنا الله سبحانه وتعالى بحفظ العقل كان هذا الأمر أكبر من حفظ العقل الظاهر؛ فلا بد علينا من أن نحفظ على الأمة عقلها، فلا بد إذن من التعليم.

ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا يَسَّرَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» رواه مسلم

وحتى في الحالة السياسية العسكرية فإنه [النبي ﷺ] أمر من يتعلم القراءة والكتابة من الأسرى أن يعلّم في مقابل الفداء المسلمين؛ حتى يخرجهم من دائرة الأمية إلى دائرة القراءة، وهي أول طريق العلم.

مكانة العلم في الإسلام ودرجاته من الظاهر إلى المستنير

والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

ويقول:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

وليس هناك دين أكد على العلم وأمر به أكثر من دين الإسلام.

والعلم في لغة القرآن في غالب الأمر يتعلق بالعلم المستنير؛ فهناك علم يرى الظاهر، وهناك علم يتعمق في الأعماق، وهناك علم يربط ذلك برب العباد وهو العلم المستنير؛ لأنه ينير لصاحبه طريق الله.

تحريم الدجل والشعوذة وكل ما يقدح في عقل الفرد والأمة

وحفظ العقل من مهمات الأمة. إذن فالدجل والشعوذة والقضاء على المصادر التي منها المعرفة، والتشويش على الفكر المستقيم، كل ذلك حرام منهي عنه؛ لأنه يقدح في العقل سواء كان فردًا أو جماعة أو أمة.

فالعقل ليس فقط هو العقل الظاهر؛ لأن العقل الظاهر هو أقل عقل. فإذا أمرنا الله بالمحافظة على أقل عقل فمعناها أنه يجب علينا أن نأتي بالعقل الكامل وهو عقل الأمة.

دلالة حتى على الغايات والمآلات في آية النهي عن الصلاة جنبًا

قال تعالى بعد ذلك:

﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43]

وهنا يشير إلى أننا بعد معرفة الشروط وبعد معرفة الأحكام فإننا نعرف المآلات ونعرف الغايات. فاستعمل «حتى» في عبارة واحدة متصلة للدلالة على المآلات وللدلالة على الغايات.

كل ذلك وكأنه يبين لنا الأدوات التي بها الفهم. لماذا نحافظ على العقل؟ من أجل هذه غاية، من أجل أن نعلم ما نقول، من أجل الوعي السابق للسعي؛ لأن كل سعي سليم لا بد أن يسبقه وعي قويم.

فالوعي القويم مع السعي السليم يحقق الهدف: الوعي والسعي.

دلالة حتى الأولى على الغايات وحتى الثانية على المآلات في الآية

إذن فـ«حتى» هنا دلت على الغايات. ما الغاية؟ من أجل ماذا؟ يعني لماذا؟ أجابت على السؤال.

و**«حتى» الثانية** أظهرت المآلات؛ فقال: لا تفعل هذا [أي لا تقرب الصلاة وأنت جنب] إلى أن تغتسل، إلى أن — دلت على المآل — سيؤول الأمر إلى الاغتسال؛ حتى نرفع الجنابة التي هي مانع من موانع الصلاة عند المسلمين، حتى يكون الإنسان مهيئًا للدخول في الصلاة.

فقد استعمل «حتى» مرتين: مرة للغايات ومرة للمآلات.

بيان معنى حتى في سياق الآية والفرق بين الغاية والمآل

﴿حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: 43]

ليس من أجل أن تغتسلوا، لا، من أجل أن تغتسلوا أي هو [الله سبحانه وتعالى] فرض علينا الصلاة لكي نغتسل؟ لا! الله يقول: لا تقرب الصلاة وأنت جنبًا إلى أن — الغاية — أن تغتسل، يؤول أمركَ إلى الاغتسال.

أحكام الجنابة وما يمتنع على الجنب من عبادات في الشرع

﴿حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا﴾ [النساء: 43]

يعني أصابه الحدث الذي نسميه الحدث الأكبر أو الأوسط؛ لأنه باعتبار ما يمنع، الجنب يمتنع عليه:

  • الصلاة
  • الطواف
  • حمل المصحف
  • المكث في المسجد

وهكذا يمتنع عليه أمور في الشرع. اغتسل إذن؛ الاغتسال يزيل الحدث، وهذا الحدث الذي أُزيل هيأكَ — عندما زال عن جسدك الحدث — هيأكَ للدخول في الصلاة.

خلاصة الآية في الشروط والأحكام والغايات والمآلات والختام

إذن فهناك شروط وهناك أحكام وهناك غايات وهناك مآلات.

ها إذن ذهنك بدأ يستقيم، ويبقى عقلك قد بدأ يعمل. فقِس الآن وانظر إلى كل شيء بهذا العقل المستقيم.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.