سورة النساء | حـ 651 | 43 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يُعلمنا الله في سورة النساء أحكام الصلاة وشروطها، ويرشدنا للتفكير المستقيم.
- •نهى سبحانه عن قربان الصلاة في حالة السكر والجنابة، مع استثناء عابري السبيل.
- •التخفيف قاعدة مطردة في الشريعة الإسلامية، فالله لا يجمع على المكلف مشقتين.
- •يبين الله أن الحياة متنوعة وليست على حالة واحدة، والأحكام تتناسب مع هذا التنوع.
- •من أخطاء الفكر غير المستقيم التعميم، فليس كل الناس طيبين ولا كل الناس سيئين.
- •فقدان الماء قد يكون حسياً بعدم وجوده، أو شرعياً كحاجته للشرب أو وجود مرض يمنع استعماله.
- •استثناء عابري السبيل ليس مطلقاً، فمن وجد الماء وقدر على استعماله وجب عليه الاغتسال.
- •شرع الله التيمم بديلاً عن الوضوء والغسل عند فقد الماء حساً أو شرعاً.
- •علمنا الله أن نعمل العقل ونستنبط الأحكام بمعرفة المقاصد والعلل والمآلات، وليس بالنص فقط.
مقدمة في تعليم الله لنا أحكام الصلاة وشروطها في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا الصلاة، ويعلمنا شرطها، ويعلمنا أحوالها، ويعلمنا كيف نتهيأ لها، ومن خلال ذلك يعلمنا التفكير المستقيم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 43]
في حال كونكم سكارى، حتى تعلموا ما تقولون، ولا تقربوا الصلاة وأنتم على حالة الجنابة، إلا استثنى [الله سبحانه وتعالى] عابري سبيل، أي وأنتم في حالة السفر.
قاعدة التخفيف مع التكليف في الشريعة الإسلامية ورفع المشقة
وهكذا كلما كلفنا [الله سبحانه وتعالى] خفف عنا، فالتخفيف مع التكليف، والتكليف فيه مشقة الاغتسال وطهارة عابر السبيل.
يعني عابر السبيل يبقى أنت في السبيل راكبًا وتعبر من مكان إلى مكان، وتنتقل من نقطة إلى نقطة، ومن مدينة إلى مدينة؛ مشقة، لا يجمع الله عليك مشقتين فخفف.
التخفيف نراه في الشريعة كلها بكل أجزائها، ولذلك صار قاعدة مطردة أن الشريعة مبناها على التخفيف؛ فالتكليف معه تخفيف دائمًا هكذا.
الاستثناء في الأحكام يعبر عن تنوع أحوال الحياة وعدم ثباتها
إلا استثناء، وكأن الاستثناء يعبر عن جملة يمكن أن تكون معترضة، لكنها في النهاية تبين أن الحياة على وجوه وأنها ليست في حالة واحدة أبدًا.
ومن هنا فإن الحكم الذي يتناسب مع حالة قد تكون هي الحالة العامة المعتادة، لا يتناسب مع حالة أخرى قد تكون حالة خاصة. ومن هنا جاءت الذهنية والعقلية المميزة لعلماء المسلمين.
التعميم من علامات الفكر غير المستقيم والقرآن يعلمنا تجنبه
يفتقد كثير من الناس عندما يسمع العلماء أنه [أي العالم] يتحدث عن حالة الاعتياد، وعلى ذلك فلا يتحدث بعموم وتعميم.
ومن أخطاء الفكر المستقيم التعميم؛ عندما تأتي لتقول: كل الناس طيبون، هذا تعميم. كل الناس سيئون، يا الله! أليس كل الناس طيبين؟ لا، ليس كل الناس طيبين، وليس كل الناس سيئين أيضًا؛ فهذا تعميم كذلك.
والتعميم من علامات الفكر غير المستقيم أداءً وفهمًا. يعلمنا الله سبحانه وتعالى ألا نعمم، وأن هناك حالات للحكم العام.
الحكم العام بالاغتسال واستثناء عابر السبيل الفاقد للماء حسًا أو شرعًا
ولا جنبًا، هذا الحكم العام؛ لأن عموم البشر قادرون على الاغتسال فيغتسلون ويذهبون الجنابة. ولكن ليس في كل حال.
هذا في حالات وإن كانت تعني خلاف الشائع المعتاد: أن أكون عابرًا للسبيل، ولذلك لا يوجد عندي ماء، أو الماء الذي عندي إنما هو للسقيا وليس للتطهير.
فقد أفتقد الماء حسًّا أو شرعًا. انظر التفكير المستقيم: حسًّا يعني ما معي مياه، شرعًا يعني معي مياه لكن لا أستعملها. لماذا؟ لأنني محتاج إليها أنا أو البهيمة، حتى أي روح محترمة. لماذا [أيضًا]؟ لأنني لا أقدر على الاغتسال لأن عندي جرحًا ولو اغتسلت وصل الماء إلى الجرح فأموت. لماذا [كذلك]؟ لأن الدنيا شديدة البرد جدًا. والله كل هذه حالات الماء موجود ولا أقدر على استعماله، فيكون قد فقدته شرعًا، أو [الماء] مش موجود فأكون فقدتها حسًّا.
النهي عن التعميم في المستثنى وبيان أن عابر السبيل ليس كله سواء
ولا جنبًا إلا عابر سبيل حتى تغتسل. حسنًا ولو كنت عابر سبيل؟ عابر سبيل، كل عابر سبيل لا يغتسل؟ لا، عابر السبيل الذي فقد المياه حسًّا أو شرعًا.
حسنًا افترض أنك لم تفقدها ونازل في فندق سبعة نجوم؟ مغتسل يا الله! أيضًا التعميم هنا لا يسير، لا يسير.
إذن ما علّمكم [الله سبحانه وتعالى] لا يزال: ألا تعمموا. قال: لا تعمموا، فكذلك في المستثنى لا تعمموا.
الاستثناء من الاستثناء ودعوة الله لنا إلى إعمال العقل والاستنباط
يبقى إذا عابر السبيل هذا نفسه يغلب عليه فاقد الماء حسًّا وشرعًا، ليس دائمًا. يعني يمكن إذا طورنا الكلام نقول: ولا جنبًا إلا عابري سبيل إلا إذا وجد الماء، يبقى الاستثناء من الاستثناء.
ولكن الله سبحانه وتعالى أراد لنا أن نفكر وأن نستنبط وأن نعمل العقل والقواعد التي علمنا إياها؛ ألا يبقى كل شيء بالنص، وإنما هناك أيضًا بالاستنباط: بمعرفة المآلات والغايات والمرادات والحكم والعلل، وبمعرفة الأسباب والمبررات والأهداف وهكذا. أي استخدم عقلك؛ أمرنا الله سبحانه وتعالى بهذا.
فقد الماء حسًا وشرعًا في حالتي المرض والسفر والتيمم بديلًا
ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا:
﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43]
فيبقى هنا فقد الماء شرعًا: مريض لا يعرف كيف يستعمل المياه وهي أمامه. أو على سفر ليس معي مياه فيكون قد فقدها حسًّا. أو جاء أحد منكم من الغائط فيكون هنا قضاء الحاجة، أو لامستم النساء.
واختلف العلماء في لامستم النساء: هل معناها الحدث الأكبر أم الحدث الأصغر؟ فلم تجدوا ماءً، تجدوا يعني يا حسًّا يا شرعًا، فتيمموا صعيدًا طيبًا؛ مع التكليف تخفيف.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
