سورة النساء | حـ 655 | 43 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 655 | 43 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • التيمم رخصة شرعية للطهارة عند فقدان الماء، وهو من باب التخفيف في التكليف الشرعي.
  • يكون التيمم بضربة واحدة على الصعيد الطيب ثم مسح الوجه واليدين إلى المرفقين كما دلت عليه السنة النبوية.
  • في قوله تعالى: "فامسحوا بوجوهكم" جاءت الباء للإلصاق، أي ملصقين أيديكم بوجوهكم.
  • ترتيب الجمع على الجمع في قوله "فامسحوا بوجوهكم" يقتضي القسمة أفرادًا، فلكل شخص وجه واحد.
  • لفظ "اليد" في القرآن يأتي بمعان مختلفة: الكف فقط كما في آية السرقة، وإلى المرفق كما في التيمم، وإلى الكتف في مواضع أخرى.
  • تحديد المعنى المقصود من لفظ "اليد" في كل موضع يحتاج إلى بيان من السنة النبوية.
  • التيمم الواحد يبيح كل ما يحتاج إلى طهارة كالصلاة والطواف وقراءة القرآن ومس المصحف.
  • إذا نوى المتيمم نية مخصوصة كالتيمم للسنة فقط، فلا يستبيح غيرها إلا بتيمم جديد.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان تخفيف الله في التكليف بالوضوء والاغتسال والتيمم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يعلمنا التخفيف مع التكليف؛ وقد كلفنا بالوضوء عندما يحدث عندنا حدث، وكلفنا بالاغتسال عندما نكون على جنابة، ثم بعد ذلك استبدل بذلك كله التيمم إذا ما فقدنا الماء، فقال:

﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَٱمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء: 43]

معنى باء الإلصاق في قوله تعالى فامسحوا بوجوهكم وبيان دلالتها

والباء هنا [في قوله تعالى: بوجوهكم] يسميها أهل العربية باء الإلصاق، وبعضهم يرى أنها هي الأصل في معنى الباء، يعني ملصقين أيديكم بوجوهكم.

من أين أتت كلمة "ملصقين" في قوله تعالى: فامسحوا بوجوهكم؟ أتت كلمة "ملصقين" هذه من الباء؛ لأن الباء معناها الإلصاق. فلو فككناها فكأننا ألصقنا أيدينا بوجوهنا:

﴿فَٱمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء: 43]

أيديكم ملتصقة بوجوهكم.

قاعدة ترتيب الجمع على الجمع يقتضي القسمة أفراداً في الآية

حسنًا، هل الإنسان له وجه واحد أم وجوه متعددة؟ عادةً يكون له وجه واحد، لم نرَ أحدًا له وجهان، حتى عندما نذم شخصًا نقول له: إن لديك وجهين، أي أنك منافق؛ فيكون معنا بوجه ووضع، ومع الآخرين بوجه آخر ووضع آخر.

قال [العلماء]: ترتيب الجمع على الجمع يقتضي القسمة أفرادًا؛ لما قال:

﴿فَٱمْسَحُوا﴾ [النساء: 43]

يخاطب جماعة وليس واحدًا، جماعة يعني بوجوهكم، يعني "وجوه" هنا جمع على الجمع، فيقتضي القسمة أفرادًا، فيكون كل واحد له وجه واحد.

ظاهرة التوائم السيامية وحكم النادر عند الفقهاء في مسألة تعدد الوجوه

ولكن أيضًا الناس تترك العادة هكذا، هو يعني نحن طوال عمرنا نرى هكذا أن الإنسان له وجه واحد، ونبحث عن الغرائب والعجائب. ويقول لك: يعني ألا يمكن أن يكون للإنسان وجهان؟ هو في الحقيقة ممكن، وقد حدث في التوائم السيامية.

لكن هذه حالة نادرة جدًا منسوبة إلى أرض تسمى سيام، تكثر فيها هذه الظاهرة؛ أن الإنسان عندما يأتي فيكون هناك توأمان ملتصقان ببعضهما التصاقًا تامًا بدورة دموية واحدة، بحيث يكون له وجهان أو شخص له رقبتان هكذا ووجهان فقط. وهذا نادر جدًا، والنادر لا حكم له.

ولذلك تكلم الفقهاء هنا على من له وجه ووجهان وما شابه، لماذا؟ فهو ليس حاصلًا [في الواقع المعتاد]، قال [العلماء]: يدرب ذهنك بشغله، يعني لا يجعل ذهنك هكذا راكدًا. الذهن العلمي يفترض، الذهن العلمي يتخيل ويجري وراء الخيال، لكنه خيال منضبط، ليس خيالًا مريضًا.

معنى اليد في القرآن وحاجة النص القرآني إلى بيان السنة النبوية

﴿فَٱمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [النساء: 43]

ترتيب الجمع على الجمع يقتضي القسمة أفرادًا، خلاص حفظنا هذه [القاعدة]. وأيديكم: امسحوا بوجوهكم وأيديكم.

إذن ماذا نفعل؟ قال [الله تعالى]: وامسحوا بأيديكم. واليد تُطلق ويُراد بها ماذا؟ قال [العلماء]: تُطلق ويُراد منها الكف، وتُطلق ويُراد منها إلى المرفق، وتُطلق ويُراد منها إلى الكتف. هذه يد وهذه يد وهذه يد.

فلما جاء [الله تعالى] وقال:

﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقْطَعُوٓا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]

يكون القصد الكف فقط، فالقطع من هنا [الرسغ]، ليس من هنا [المرفق] ولا من هنا [الكتف]. ولما جاء هنا [في آية التيمم] قال: وأيديكم، يكون المقصود إلى المرفق.

الحاجة إلى السنة النبوية لبيان إجمال القرآن في معنى اليد

ما الذي يضع هذه [اليد في آية السرقة] هنا [عند الكف] وهذه [اليد في آية التيمم] هنا [عند المرفق]؟ فيلزم وجود بيان؛ إذن هذا إجمال لا يغني عن بيان.

وهذا يحوجنا إلى السنة [النبوية المشرفة] التي يريد بعض الناس إنكارها. ماذا ستفعل؟ ويقول لك: فلنجعل القرآن وحده! هذا لا يصح؛ فالقرآن استخدم الاستعمالين على حد سواء، فلا بد من أن نخرج من نص القرآن معتمدين على نص السنة المشرفة المطهرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أُوتيَ القرآن ومثله معه حتى يفسره.

كيفية التيمم العملية بضربتين للوجه واليدين إلى المرفقين

طيب، فيكون "وأيديكم" يعني إلى المرفقين. وكان مشايخنا يقولون لنا ماذا؟ يقولون لنا: أنك تضرب هكذا على الأرض، ثم تمسك يدك اليسرى وتفعل هكذا إلى هنا [المرفق]، هو هكذا الذي نسميه المرفق وهكذا.

وتفعل هكذا، هو، وبعد ذلك هكذا، هو، وتفعلها هكذا، هو، وتجعل يدك هكذا، هو. فيكون إذا مسحنا اليمين بالشمال ومسحنا الشمال باليمين وهي بضربة واحدة، يكون ضربة للوجه وضربة لليدين، بسيطة جدًا. تم التيمم هكذا.

ما يُستباح بالتيمم من الصلاة والطواف وقراءة القرآن ومس المصحف

نعم، التيمم هذا نفعل به ماذا؟ قال [العلماء]: أنت ما نويته؟ قال: نويت أصلي به. قال: إذن تؤدي الصلاة وما دونها؛ فتصلي الفرض وتصلي السنة وتطوف بالبيت.

البيت [الحرام] يحتاج إلى طواف، والطواف يحتاج إلى وضوء وطهارة. ما استطعت، ممنوع، ليس لدي مياه كثيرة، لا أعرف كيف أستعملها أو غير ذلك. قال: نعم، حسنًا، إذن نتيمم أيضًا.

إذن نحن نتيمم لكل ما يحتاج إلى طهارة؛ كالصلاة والطواف وقراءة القرآن ومس المصحف ونحو ذلك. حسنًا، فأفعل الأهم فالأهم؛ فتكون الصلاة هي أعلى شيء، فأؤدي الفريضة ثم السنة وأقرأ القرآن وألمس المصحف وأذهب لأطوف، كل ذلك بتيمم واحد.

حكم من نوى التيمم للسنة فقط دون الفريضة وتضييقه على نفسه

وهذا الشخص يريد أيضًا أن يضايق الشيخ بعض الشيء، قم يقول له: إنني نويت نية عجيبة الشكل. قلت له: ما هي؟ ماذا فعلت؟ قال: نويت التيمم للسنة فقط.

قلت: ولماذا ضيَّقت على نفسك؟ أي لا يمكنك أن تصلي إلا السنة فقط! أنت الذي ضيقت على نفسك، كان يجب أن تتيمم لتستبيح الصلاة كلها. لماذا تفعل هكذا؟ قال: ما حدث [قد حدث].

فقلنا له: إذن، يجب عليك أن تتيمم مرة أخرى إذا أردت أن تصلي صلاة الفرض.

الختام والوعد بإكمال موضوع التيمم في حلقة قادمة

سنكمل أيضًا في موضوع التيمم في حلقة قادمة. إلى لقاء، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.