سورة النساء | حـ 657 | 45 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •القرآن الكريم يحذرنا من الذين أوتوا نصيباً من الكتاب فاشتروا الضلالة، سواء كانوا من الأمم السابقة لنأخذ العبرة منهم، أو كانوا منا نحن المسلمين.
- •المشترون للضلالة لا يكتفون بإضلال أنفسهم، بل يسعون لإضلال الآخرين كذلك، فالمفسد لا يقنع بفساده وحده بل يريد نشر الفساد.
- •الضالون صنفان: صنف ضل دون علم، وصنف علم الحق ثم اشترى الضلالة عن قصد وعمد.
- •في الفاتحة نقول "اهدنا الصراط المستقيم" بصيغة الجماعة لأن المسلم يريد الهداية لنفسه ولغيره، فهو يشعر بانتمائه للأمة.
- •الله سبحانه هو الأعلم بأعدائنا، وعدونا هو من يشتري الضلالة بعد أن تبين له الهدى، ويريد إضلال الآخرين.
- •عبارة "والله أعلم" تميزت بها الحضارة الإسلامية وتعكس تواضع المسلم وإقراره بمحدودية علمه أمام علم الله.
مقدمة الدرس وتفسير آية الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [النساء: 44]
ونحن نقول إن الذي يُؤتى نصيبًا من الكتاب قد يكون في الأمم السابقة؛ يريد الله أن يلفتنا إليهم حتى نأخذ منهم التجربة التاريخية، فلا نسير سيرهم الذي خالفوا فيه ربهم.
وقد يكون المعنيّ بهم نحن [أمة الإسلام]؛ لأننا أيضًا من الذين أوتوا الكتاب، وحينئذٍ فينبغي علينا ألّا نقع فيما حذّرنا الله به منه.
التحذير من شراء الضلالة وبيان عواقبها الوخيمة على الفرد والمجتمع
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [النساء: 44]
من الكتاب وليس كلّ الكتاب.
﴿يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَـٰلَةَ﴾ [النساء: 44]
إذن تحذير: تمهّل واحرص على أن تشتري الخير ولا تشتري الضلالة أبدًا؛ فالضلالة تجلب الغواية، والضلالة تجلب النقص، والضلالة تؤدي إلى المعصية وتؤدي إلى الهلاك.
صنف من الناس يسافر لشراء الضلالة ويسعى لإضلال غيره
شاع في عصرنا هذا صنفٌ يشتري الضلالة يشتريها شراءً، أي يسافر إلى البلاد من أجل أن يشتري الضلالة.
﴿وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾ [النساء: 44]
وهو لا يشتري الضلالة لنفسه فقط، لا يريد أن يبقى وحده، يريد أن يكون أيضًا كلّ الناس ضالّين. ومن هنا فإن الفساد يستشري بفعل المفسد.
لماذا يأمرنا الله بمقاومة الفساد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
لماذا يقول لك [الشرع]: قاوِم الفساد، مُرْ بالمعروف، انْهَ عن المنكر؟ لأنه عندما نترك الفاسد لا يُفسد وحده، لا يُفسد في مكانه هكذا فحسب، بل يريد أن يكون كلّ الناس فاسدين، أليس كذلك؟
فلا يهدأ ولن يسكت؛ فإذا رآك غير مفسدٍ وتركتَه في حاله، لن يتركك في حالك، ويقول: يا ربّ تُبْ عليّ واجعلني مثل الرجل الطيب هذا؟ أبدًا! بل يسعى وراءك بالإغواء.
ولذلك حذّرنا الله سبحانه وتعالى من أولئك، خاصةً بعدما تنبّهوا وآمنوا والتفتوا إلى الكتاب.
الفرق بين المغضوب عليهم والضالين في سورة الفاتحة وعلاقته بشراء الضلالة
ماذا نقول في الفاتحة؟
﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]
الضالّون هؤلاء لا يعرفون شيئًا البتّة، لكن المغضوب عليهم عرفوا [الحقّ ثم أعرضوا عنه]. الذي أُوتي نصيبًا من الكتاب آتاه الله نصيبًا من الكتاب واشترى الضلالة، فيكون عن قصدٍ وعمدٍ، وأراد أن يُضلّ الآخرين.
هذا السبيل عكس الذي في الفاتحة تمامًا؛ هناك نقول:
﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]
لماذا جاءت اهدنا بصيغة الجمع وإشارتها إلى صلاة الجماعة والانتماء للأمة
لماذا قال [الله تعالى] "اهدنا" ولم يقل "اهدني"؟ نعم، ما هو لازمٌ جميعنا أن نهتدي؛ لأن [المؤمن] يحبّ الخير للآخرين.
وقالوا فيها إشارة إلى صلاة الجماعة؛ ما أنت وأنت في الصلاة تقول ماذا؟ "اهدني"؟ فما يكون أنت تصلّي وحدك! لا، هذا أنت تقول "اهدنا"؛ لأنك إما أن تكون إمامًا أو أن تكون مع إخوانك في الجماعة، ففيها إشارة إلى صلاة الجماعة.
"اهدنا" هذا تقصد نفسك وأولادك وأحفادك الذين لم يأتوا بعد. "اهدنا" تقصد نفسك والذين موجودون معك في الصلاة والناس الذين غائبون عنك.
الشعور بالانتماء إلى الأمة والمسلم يريد إشاعة الصلاح كما يريد المفسد إشاعة الفساد
يقول لك [المسلم في دعائه]: اللهم ارحم حيّنا وميّتنا وحاضرنا وغائبنا. ما هذا؟ هذا شعورٌ بالانتماء إلى الأمة.
"اهدنا"؛ فكما أن المفسد يريد أن يُشيع الفساد، فإن المسلم يريد أن يُشيع الصلاح. "اهدنا" بهذا الجمع.
﴿ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]
يبقى في مِنّةٍ من عند الله.
من هم الذين أنعم الله عليهم والبلاغة في ترك النسق مفتوحًا في الفاتحة
لكن من الذي أنعم [الله] عليهم؟ هؤلاء ما قال: النبيّون والشهداء والصالحون والصدّيقون والمعمّرون والطيّبون؟ هم هؤلاء الذين أنعم الله عليهم. إنما انظر إلى البلاغة: تركها نسقًا مفتوحًا هكذا [دون تحديد حصري].
غير المغضوب عليهم الذين هم هذا الصنف الذي يحذّرك [الله] منه: عرف [الحقّ] واشترى عن قصدٍ الضلالة، وأراد الإضلال وأن يُضلّوا السبيل.
الله أعلم بأعدائكم وبيان الفرق بين الصديق الذي يدعو للهداية والعدو الذي يشتري الضلالة
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَـٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا ٱلسَّبِيلَ * وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: 44-45]
الله يقول لكم من عدوّكم ومن صديقكم: الذي يدعو لكم ويقول لكم "اهدنا الصراط المستقيم" صديقكم، الذي يتمنّى لكم الهداية.
ومن عدوّكم؟ عدوّكم الذي يشتري الضلالة بعد أن تبيّن له السبيل، وبعد أن عرف أن هناك إلهًا قادرًا حكيمًا خلق وأنزل الكتاب، وبعد أن سمع هذا الكتاب اشترى الضلالة ويريد أن نضلّ السبيل.
فلسفة عبارة والله أعلم وكيف افتقدناها في عصرنا وأثر غيابها
والله أعلم؛ نعم، الله سبحانه وتعالى أعلم. "والله أعلم" افتقدناها الآن! كلّ واحدٍ يتكبّر هكذا ويقول: لا، هذا أنا أعلم! والله أعلم.
انظر، هي عبارة... هي لن نُكمل "والله أعلم بأعدائك"، لا، سنقول "والله أعلم" فقط هكذا. آه، ما هو الله أعلم! وهي كلمةٌ تميّزت بها الحضارة الإسلامية، ومن ورائها حكمةٌ ورؤيةٌ ومعنى.
كيف أن الإنسان يعيش في هذه الأكوان وهو دائمًا يبحث عن الحقّ والحقيقة، ثم يقول دائمًا: والله أعلم.
ونبدأ بها في درسنا القادم: فلسفة "والله أعلم" وكيف افتقدناها فافتقدنا معها خيرًا كثيرًا. وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
