سورة النساء | حـ 661 | 46 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يحذر الله المسلمين في سورة النساء من تحريف الكلم عن مواضعه، وهو ما وقعت فيه أمم سابقة.
- •تكفل الله بحفظ القرآن نصاً ومعنى، فوصل إلينا مقروءاً محفوظاً في الصدور، متميزاً عن كلام البشر.
- •قد يكون التحريف في النص أو في التفسير والتأويل، لكن الله حفظ على جمهور الأمة دينهم.
- •من أوّل القرآن تأويلاً منحرفاً عزله الله عن الأمة، كفرقة الباطنية التي ألّف الإمام الغزالي في الرد عليها كتاب "فضائح الباطنية".
- •فسرت الباطنية الصلاة بأنها الصلة بالإمام، والصيام بكتمان سر الإمام، والحج بالتوجه إلى الإمام.
- •أظهر الله هذه الفرق المنحرفة ليبين أنه حفظ القرآن نصاً وتأويلاً.
- •وصف الله فرقة من الذين هادوا بقوله "سمعنا وعصينا"، وهي صفة العناد والوقاحة المذمومة.
- •يجب على المسلمين تجنب العناد وإتباع منهج "سمعنا وأطعنا".
مقدمة الدرس وتلاوة آية تحريف الكلم من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]
وقلنا إن الله لمّا نعى على أمم سابقة بذلك [بتحريف الكلم]، فكأنه يحذّرنا من أن نقع فيما وقعوا فيه من إثم ومعصية وخيانة وعدم أمانة.
تكفل الله بحفظ القرآن الكريم ووفاؤه بوعده سبحانه وتعالى
والله سبحانه وتعالى قد تكفّل بحفظ الكتاب من عنده:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]
ووفى سبحانه وتعالى بما وعد، وهو أوفى من يوفي بالعهد والوعد سبحانه جلّ جلاله.
وجعل الله ذلك [حفظ القرآن] معجزةً؛ لأن الله صدق نبيّه وصدق كلامه لنا، فإذا بالكتاب قد وصل إلينا غضًّا طريًّا مقروءًا محفوظًا في الصدور، تتعلّق به الآذان.
تأثير القرآن الكريم على العرب والأجانب وإدراك الجميع لعظمته
فعندما تسمع القرآن ترى أنه ليس كصياغة كلام البشر، ويعرف ذلك العربي وغير العربي.
وتلاوة القرآن ألّف فيها الأجانب متعجّبين مستغربين، كيف أن هذا القرآن يدركه كل أحد ممّن سمعه، سواء أكان يفهم أو لا يفهم معناه.
أنواع التحريف بين النص والتأويل وحفظ الله للأمة من الانحراف
والتحريف قد يكون في النصّ، وقد وفّينا فيه بعض الكلام على قدر المتاح لنا، وقد يكون [التحريف] في التفسير والتأويل.
والحمد لله فإن جمهور الأمة حفظ الله عليهم دينهم، فلم يؤوّلوا كتاب الله تأويلًا منحرفًا مختلًّا. ومن جاءه [القرآن] فأوّله تأويلًا منحرفًا مختلًّا عزله الله سبحانه وتعالى عن الأمة، وتسمّى بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وخرج بذلك عن جمهور الأمة وأساسها وعُزِل.
اندثار الفرق المنحرفة عبر الزمان وظهور فرقة الباطنية وردّ الغزالي عليها
ثم عدا عليه الزمان فانتهى، حتى إذا ما خرجت فرقة من بعد فرقة نجد أنها لا تضرب بجذورها في الماضي ولا تؤثّر في المستقبل، وتنتهي بموت أدعيائها ودعاتها.
فخرجت فرقة الباطنية، وفي الباطنية ألّف الإمام الغزالي يردّ عليهم ويردّهم عن غيّهم [كتاب] «فضائح الباطنية»، وجعل ما يقولونه فضيحة وليست نصيحة ولا شيء ناصح محترم معتبر، بل كل ما أتوا به أنهم أوّلوا التأويل الفاسد لكتاب الله، يتبرّؤون بذلك من التكاليف ويخرجون منها حتى لا يفعلوها، لا يفعلونها، وحتى ينغمسوا في غيّهم وشهواتهم.
تأويل الباطنية الفاسد لمعنى إقامة الصلاة وردّ أهل السنة عليهم
ماذا قالت الباطنية؟ قالت: لا، أنتم لا تفهمون القرآن.
طيّب أنتم تفهمونه كيف؟ [قالوا:] أنا «أقم الصلاة» يعني أن تجعل بينك وبين إمام الطائفة صلة، هذه هي «أقم الصلاة»!
والله إننا نفهم غير ذلك، إننا نفهم:
﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيْلِ وَقُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ إِنَّ قُرْءَانَ ٱلْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]
أن الإنسان يصلّي ركعتين اسمهما الصبح، وأربعة اسمها الظهر، وأربعة اسمهما العصر.
يعني ما الذي تفهمه أنت؟ قال: لا، هذا أنا أفهم شيئًا آخر. صلة بينك وبين من؟ [قال:] بين ربنا يعني هكذا؟ قال: لا، بيننا وبين الإمام. إمام من؟ الإمام الخاص بالباطنية، الله!
حقيقة الباطنية وضلالهم وتوضيح معنى الباطن والظاهر عندهم
باطنية من؟ إن الباطنية هذه منطقة عندنا يُباع فيها المخدّرات! هكذا إذن، نعم قديمًا كانت هذه [المنطقة المسمّاة] الباطنية يبيعون فيها المخدّرات حتى طهّرتها الحكومة من المخدّرات.
باطنية من قال؟ لا، [قالوا:] إننا لنا باطن وظاهر وما لا أعرف ماهيّته. ضلال هذا الكلام يا إخواننا!
أسمعتموه من قبل أم لم تسمعوه؟ هذا مكتوب في تاريخ الفِرَق. إذا وقى الله سبحانه وتعالى الأمة الإسلامية من الوقوع في تحريف التأويل، فالحمد لله رب العالمين.
تأويل الباطنية الفاسد للصيام والحج وبطلان هذه التأويلات واندثارها
وقل الآن: حسنًا والصيام؟ قال لك: كتمان سرّ الإمام! حسنًا والحجّ؟ [قال:] التوجّه إلى الإمام! الله، أمر متعب!
فكل هذا باطل. وأين ذهب هذا الكلام؟ من الذي يقول هذا؟ يعني هل يوجد أحد الآن ونحن في سنة الألفين وسبعة الآن يقول هذا؟ أبدًا!
فما هذا؟ ظهرت الطائفة هكذا فقط. فلماذا إذن أظهرها الله؟ الله أظهرها لكي يقول لنا: أنا حفظت كتابكم نصًّا وتأويلًا.
حكمة الله في إظهار الفرق الضالة ليعرف المسلمون نعمة حفظ القرآن
فأنت عندما ترى هذا [ضلال الباطنية] تقول: الله! نحن كان بإمكاننا أن نقول هكذا، فالحمد لله أننا لم نقل.
كان يمكن أن نضلّ مثل هؤلاء الناس الذين ضلّوا، كان بإمكاننا، ولكن من فضل الله علينا أن يوصل إلينا القرآن بعلمه.
صفة العناد عند الذين هادوا وقولهم سمعنا وعصينا
ويقولون:
﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ﴾ [النساء: 46]
هذا رقم واحد [الصفة الأولى: التحريف]. يبقى أيضًا ومن الذين هادوا مازال بعضهم فرقة، يعني هكذا يعني صفة فيهم، صفة في هذه الفرقة:
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء: 46]
ما هو اسم الصفة هذه؟ هذه الصفة اسمها العناد. إنني أتكلّم وبعد أن أتكلّم أيضًا يفعل نفس العمل الأول، أتكلّم فيقول نفس الكلام الأول.
فأقول له: أنت سمعتني، أنت سمعتني! إني أنا أقول لك «لا» وأنت تقف وتقول «نعم». قال: لا، سمعتك. طيّب وبعد أن سمعتني؟ قال: عصيتك! سمعنا وعصينا.
تحذير المسلمين من صفة العناد المذمومة التي تؤدي إلى المعصية
إذن ربنا يقول لنا: يا إخواننا أنتم يا مسلمون احذروا أن تقولوا أو تفعلوا هكذا.
هذه صفة مذمومة؛ صفة تؤدّي إلى جدل عقيم، صفة تؤدّي إلى عدم معرفة الحق، صفة تؤدّي إلى العناد وإلى المعصية.
«سمعنا وعصينا»، أتظنّ أنني أخالف لأنني لست منتبهًا؟ أنا منتبه جيّدًا جدًّا لما تقوله وأفهمه وأعرفه ولن أفعله! يا أخي، نعم هذه وقاحة.
مثال واقعي على العناد في نسبة الفتوى وبيان أن هذا المنهج لا يزال موجودًا
إذن هذا عناد، وقاحة أن يأتي إليّ أحد هكذا ويقول لي: يا سيدي أنت قلت الفتوى الفلانية هذه، فأقول له: لا، لم أقلها. ثم بعد أن أقول له لم أقلها، يقوم فيقول: نعم لكنك قلتها!
لماذا؟ يعني الله! سمعنا وعصينا أم ماذا هذا؟
منهج إذن هذا ليس من الزمن الماضي فحسب، بل نحن ما زلنا فيه.
أقول: سبحان الله، لا إله إلا الله، سمعنا وأطعنا. وإلى لقاء آخر، هذا أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
