سورة النساء | حـ 664 | 47 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 664 | 47 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تبرز الآية الكريمة "يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم" عالمية الدعوة الإسلامية وشموليتها لجميع أهل الكتاب.
  • خاطب الله تعالى من آمنوا بالكتب السماوية السابقة، وهذا يدل على عقلانية الدعوة وانفتاحها.
  • الإيمان بالكتاب يعني الإيمان بالله والوحي والرسل وأن الله لم يخلق الناس عبثاً.
  • أنزل الله الكتب للهداية والبركة والتشريع، وهي تأمر وتنهى وتبين الحلال والحرام.
  • عبارة "أوتوا الكتاب" تشير إلى أن الكتب السماوية تشتمل على الهداية والنور والحقائق.
  • الخطاب الإلهي يدعو أهل الكتاب للاستمرار في إيمانهم وعدم إنقاصه بتكذيب محمد صلى الله عليه وسلم.
  • القرآن الكريم مصدق لما سبقه من الكتب، وهو خلاصة الكتب الإلهية السابقة.
  • ليست المشكلة في إنكار الألوهية أو الوحي أو التكليف، بل في عدم الإيمان بالنبي محمد والقرآن.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية من سورة النساء في مخاطبة أهل الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 47]

عالمية الدعوة الإسلامية في مخاطبة جميع أهل الكتاب دون تفريق

وفي هذه الآية تظهر ملامح الدعوة الإسلامية من كونها دعوة عالمية تخاطب الناس أجمعين؛ ولذلك قال تعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [النساء: 47]

فلم يخاطب طائفة دون طائفة، بل خاطب كل من أُوتي كتابًا. وهذا أمر يدل على أن هذا الدين قد بُني على نسق مفتوح في الدعوة؛ فإنه يريد أن تصل الحقائق [إلى] الناس.

عقلانية الخطاب القرآني في مخاطبة من يؤمنون بالله والوحي والكتب

والأمر الثاني أنه [أي القرآن] يتكلم بمعقولية؛ حيث أنه يخاطب أولئك الذين آمنوا بالله، وآمنوا أن الله سبحانه وتعالى يرسل الرسل، وأن الله سبحانه وتعالى ينزل الكتب، وأن الله سبحانه وتعالى يوحي بهذه الكتب مرادَه من خلقه إلى خلقه.

وهذا هو مفهوم من آمن بكتاب؛ فمن آمن بكتاب معناه أنه أولًا آمن بالله، ومعناه أنه آمن بالوحي، ومعناه أنه آمن أن هذا الإله لم يخلقنا ويتركنا عبثًا، بل لمّا خلقنا أرسل إلينا الهداةَ المهتدين والنبيين والمرسلين.

الكتب السماوية أُنزلت للتشريع والبيان والأمر والنهي لا للبركة فحسب

وأنه [أي الله سبحانه وتعالى] لم يرسلهم [أي الأنبياء] من أجل البركة فحسب، بل من أجل البركة والحركة، ومن أجل الوعي والسعي، ومن أجل التشريع، ومن أجل البيان.

ولذلك فإنه أنزل معهم الكتب التي تأمر بالإقدام وتنهى عن الإحجام. إذن فالكتب تأمر وتنهى، وتقول لك: افعل ولا تفعل، وتقول لك: أقدِم وأحجِم.

ومن هنا تأتي ملامح الحلال والحرام؛ فيخاطب الله سبحانه وتعالى أولئك الذين تكون لهم هذه الصفة، الذين يؤمنون بالله.

خطاب الله لغير المؤمنين يكون بالدعوة إلى التأمل والتفكر أولًا

لأن خطاب الله مع غير المؤمنين بالله يُعدّ عبثًا؛ لهم خطاب آخر يدعوهم إلى التأمل في الأكوان وفي الحياة وفي أهدافها، يدعوهم إلى الإيمان المبني على التعقل والتدبر والتأمل والتفكر أولًا.

ثم يدعوهم إلى الإيمان بالرسل وألّا يفرّقوا بين أحد من رسله، وألّا يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض، بل يأمرهم أمرًا متتاليًا بالإيمان بالله وكتبه ووحيه ورسله وتكليفه، ثم بعد ذلك يخاطبهم بأن يؤمنوا بالإسلام.

ما يُستفاد من قوله تعالى يا أيها الذين أوتوا الكتاب من عالمية وعقلانية

إذن فمن قوله:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [النساء: 47]

نأخذ عالمية هذه الدعوة، ونأخذ عقلانية هذه الدعوة، ونأخذ أن المخاطبين هنا هم من كانت تتوافر فيهم تلك الصفات بالأساس.

وهي كلمة واحدة موجزة، لكن التأمل والتدبر فيها واستخراج ما تستلزمه من معانٍ تجعلنا نقول ما نقول ونحن مطمئنون إليه. لا يستغرب هذا عقل سليم، ولا يرفض هذا ذوق سليم، وتتقبله الفطرة السليمة كما هو.

دلالة كلمة أوتوا الكتاب على اشتمال الكتب السماوية على الهداية والنور

يا أيها الذين أوتوا الكتاب، وكلمة «أوتوا الكتاب» فيها إشارة إلى أن هذه الكتب التي أنزلها الله تشتمل على الهداية وعلى النور، وأن هذه الكتب التي أنزلها الله تشتمل على الحقائق، وأنه لا بد وأنها قد أرشدت الخلق إلى دين الحق.

لا بد، لأنه [أي الله سبحانه وتعالى] يذكّرهم بها وكأنه يأمرهم أمرًا ضمنيًّا أن ينفّذوا ما فيها. ومن هنا يأتي العدل والإنصاف؛ أننا لا ننكر على الأديان في ذاتها، بل نصف كتبها بالهداية وبالرحمة وبالنور.

الإنكار على من خالفوا كتبهم بعد العلم والمعرفة لا على الأديان ذاتها

ولكن ننعى على أولئك الذين خالفوا بعدما عرفوا، وأبَوا بعدما علموا، وحادوا عن طريق الله بعدما اتضح لهم.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَـٰبَ ءَامِنُوا﴾ [النساء: 47]

ولو أنه قال «آمنوا» فقط لكان في ذلك أمرًا بالاستمرار.

معنى أمر المؤمنين بالإيمان وهو الاستمرار والمداومة على الإيمان

يا أيها الذين آمنوا آمنوا، ما هذا؟ ربنا يقول هكذا؟ إذن «آمنوا»، كيف وآمنوا كيف؟ سيستمرون في الإيمان، يعني أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ.

وعلى هذا الحد: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا، يعني استمروا في إيمانكم ولا تنقصوه بتكذيب محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل استمروا في طريقكم فأنتم أقرب الناس إليه [أي إلى الإيمان بالإسلام].

أهل الكتاب أقرب الناس إلى الإسلام لعدم وجود مشكلات عقدية جوهرية لديهم

مشكلة إنكار الألوهية غير موجودة، مشكلة إنكار الوحي غير موجودة، مشكلة إنكار التكليف غير موجودة، مشكلة إنكار الكتاب غير موجودة، مشكلة إنكار... يعني هذا قريب جدًّا.

هذا ما يوجد تقريبًا [عائق كبير] إلا أن يتأمل ويستمر. يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا.

معنى مصدقًا لما معكم وأن القرآن خلاصة الكتب الإلهية السابقة

«آمنوا بما نزّلنا»، حسنًا، الذي أنزل [الله] هذا [القرآن] مخالفًا لما معكم؟ يريد [ذلك] يعني جهدًا كبيرًا! [لكنه قال:] «مصدّقًا لما معكم».

انظر كيف أنه يصدّق هذا [الذي عندهم]. وكما قال أبو بكر التونسي: هذا كتاب هو خلاصة الكتب الإلهية السابقة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.