سورة النساء | حـ 667 | 49 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تحدث القرآن الكريم في سورة النساء عن الأخلاق القويمة التي يقوم عليها الاجتماع البشري.
- •استخدم الله تعالى أسلوب السؤال الاستنكاري "ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم" لجذب الانتباه وإحداث رأي عام.
- •التعبير "ألم تر إلى" يعني الالتفات والتدبر في حالة من يزكون أنفسهم بالتفاخر والتباهي بمناصبهم أو علمهم أو عباداتهم.
- •الاجتماع البشري يقوم على التعاون والتواضع، وهذا يتجلى في الصلاة حيث يقف الغني بجانب الفقير.
- •التواضع يؤدي إلى المساواة ويجمع الناس، بينما تزكية النفس تفرق وتخرج الإنسان من المشترك البشري.
- •هناك فرق بين إعطاء كل ذي حق حقه وبين التمييز بين الأفراد، وهذا واضح في تعامل الخلفاء الراشدين كعمر وعلي.
- •من أسس العدل المساواة أمام القضاء، كما حدث مع علي بن أبي طالب حين عاتب القاضي لتمييزه بالكنية عن خصمه.
مقدمة في سورة النساء وأوامر الله بالأخلاق القويمة الكريمة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يأمرنا بأخلاق قويمة كريمة عليها مدار الاجتماع البشري، وهذه صورة الاجتماع البشري إجمالًا وتفصيلًا سورة النساء.
معنى أسلوب ألم تر في القرآن الكريم وأنه أمر بالتدبر والتأمل
يقول ربنا وهو يصوّر آياته في صيغة سؤال هو في الحقيقة أمر لنا بالتدبر والتأمل:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم﴾ [النساء: 49]
«ألم تر» قلنا من قبل ما معناها؟ معناها أخبرني، تركيب كذلك في اللغة العربية معناه أخبرني. وأخبرني هذا، ما هذا؟ فعل أمر، يقول لي ماذا؟ كما أقول لك هكذا في اللغة العامية: فبالله عليك قل لي أنت ما هذا.
حسنًا، أحضر لنا يا عمّ: «ألم ترَ هذا»، «ألم ترَ هذه»، تعمل كما نقول في لغتنا.
معنى أرأيت في القرآن واستنكار الحالة المعروضة وصناعة الرأي العام
طيب «أرأيت» إذن، أرأيت إذن، هذا سؤال ولكن ما معناها؟ معناه أنني أستعدّك [أستعين بك] على الحالة المعروضة أمامنا، أقول لك ابقَ معي ضدّ هذه الحالة، أخبرني بالله عليك عن أولئك الذين يفعلون كذا وكذا، ومعناها الاستنكار على فعلهم.
وهدفها جمع الآراء وإحداث الرأي العام، كما يقولون الآن في فنون الإعلام: يقول لك نريد أن نصنع رأيًا عامًّا. «ألم تر» أنّ هذه من وسائل إحداث الرأي العام. «ألم تر» أو «لم تر» أو «أفلم تر» من وسائل إحداث الرأي العام: أخبرني بالله عليك، انظر إذن، أحضرنا أنت إذن.
الفرق بين ألم تر وألم تر إلى ومعنى الالتفات والدراسة في الآية
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم﴾ [النساء: 49]
يعني أنت ما رأيت الذين يزكّون أنفسهم؟ لكن هنا «ألم تر إلى» يعني ألم تلتفت إلى، وحرف الجر عندما يأتي مع الفعل يتضمّن فعلًا آخر، فيكون: أخبرني عندما تلتفت وتدرس هذه الحالة التي هي حالة من يزكّي نفسه.
الذين يزكّون أنفسهم: امسك إذن واحدًا كذلك وادرسه، نريد أن ندرس واحدًا يزكّي نفسه.
صفات الذي يزكي نفسه من التفاخر والتباهي والتعالي على الآخرين
يقول ماذا الذي يزكّي نفسه؟ هذا يزكّي نفسه: يتفاخر، يتباهى، بماذا؟ بأيّ شيء؟ بمنصبه، بعلمه، بقوّته، بما قدّم من خدمات، بما أنفق من مال، بما مَنّ عليه [الله به]، حتى من عبادته، بما فعل وفعل، فيتعالى بذلك على الآخرين.
والاجتماع البشري من أسسه التعاون، من أسسه أن تلين في أيدي إخوانكم. من أسس التعاون البشري أن نقف صفًّا واحدًا في الصلاة، الغنيّ بجوار الفقير، وذو السلطان بجوار عموم الناس.
الائتمام في الصلاة نموذج للتواضع والمساواة في الاجتماع البشري
والجميع يأتمّون بمن يؤمّهم في الصلاة كائنًا من كان، فإذا ركع ركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده انتصبوا، وإذا سجد سجدوا. من هذا؟ ولا شيء [لا يُسأل عنه]، هذا طفل صغير، أو واحد حافظ الفاتحة وحافظ سورة صغيرة وهو يؤمّهم هكذا، أو سبحان الله، فلا بدّ عليهم أن يمتثلوا له.
يبقى إذن هذا التواضع جميل، ومن تواضع لله رفعه. والتواضع يؤدّي إلى عدم التعالي، فيؤدّي إلى شيء من المساواة، حتى لو تنوّع الناس في مراكزهم ومناصبهم وقوّتهم وصحّتهم وعلمهم وتقواهم.
البحث عن المشترك البشري أساس الاجتماع وتزكية النفس تفرّق بين الناس
إلا أننا نبحث عن المشترك بين الناس، والبحث عن المشترك أساس الاجتماع البشري. فتبقى تزكية النفس تحاول أن تُخرج [صاحبها من الجماعة]، والتواضع يحاول أن يُدخل [صاحبه] في المشترك البشري.
هذه هي القضية: نحن نحاول أن نجمع ونرى ما هو المشترك. تزكية النفس تحاول أن تفرّق وتُخرج نفسيّته [عن الجماعة]. هذا الذي يزكّي نفسه مع التعالي والتفاخر والتميّز لا بدّ أن يطلب في مقابل هذا حقوقًا لهذا التميّز.
الفرق بين عدم التمييز بين الأفراد وإعطاء كل ذي حق حقه في الإسلام
فيكون إذن من أسس الاجتماع البشري ألّا نميّز بين الأفراد، لا نميّز بين الأفراد ولكن نعطي كلّ ذي حقّ حقّه.
يبقى في فرق بين إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه وبين التمييز بين الأفراد؟ نعم، فلمّا يأتي القاضي ويأتي أمامه عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] ويأتي أمامه أحد الناس أو مواطن كان من اليهود، فالقاضي يوقفهما الاثنين أمامه.
أليس سيدنا عمر أمير المؤمنين مثل واحد من الرعية هكذا؟ لا نعرف حتى ما اسمه الآن، في هذا الموقف، نعم، في هذا الموقف أمام القاضي، نعم هو واحد [من المتخاصمين كغيره].
قصة سيدنا علي مع القاضي والمساواة في مجلس القضاء بين الخصوم
[ومن ذلك ما وقع مع] عليّ بن أبي طالب [رضي الله عنه] والرجل جاره، فقال [القاضي]: اجلس يا أبا الحسن. قال [عليّ]: كنّيتني ولم تُكنّه، قلت لي أبو الحسن وناديته باسمه، إذن لم تُساوِ بيننا.
هؤلاء هم الناس الطيّبون: أجلسوني وما أجلسوه، فلا يصحّ أن نسوّي بيننا [هكذا]، فلا ينبغي هذا.
أمّا هو سيدنا عليّ باب مدينة العلم، زوج السيدة فاطمة عليها السلام، مثل أخينا هذا الذي لا نعرف اسمه عند الله؟ لا، ولكن في هذا الموقف [موقف القضاء] يجب أن يكون الأمر هكذا: إمّا أن يقف الاثنان، وإمّا أن يجلس [الاثنان]، يناديهم بكنيتهم ولا يميّز.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
