سورة النساء | حـ 668 | 49-50 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 668 | 49-50 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يحذر الله تعالى في سورة النساء من تزكية النفس على غير الواقع واختلاق الكذب، معتبراً ذلك افتراءً وإثماً مبيناً.
  • الكذب أساس من أسس هدم المجتمعات، بينما الصدق أساس بنائها على أسس قوية وسليمة.
  • يجب أن يسود الصدق بين الحاكم والمحكوم، وبين المجتمع ونفسه، وبين المجتمعات المختلفة حتى تسير البشرية في طريق الله.
  • الكذب يتعدى ضرره من الفرد إلى المجتمع، ولذلك حرمه الله في كل الأحوال.
  • بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن المؤمن قد يزني أو يسرق لكنه لا يكذب، مما يدل على شدة حرمة الكذب.
  • يجب على المسلم الصدق مع نفسه ومع ربه ومع الناس، في حالتي الفرد والجماعة.
  • للكذب أسباب منها محاولة تحصيل المنفعة أو الهروب من العقاب.
  • الكذب قد يكون متعمداً (خطيئة) أو غير متعمد (خطأً).
  • أمرنا الله بالنظر والتفكر والاعتبار لتمييز الصدق من الكذب بعين البصر وعين البصيرة.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

تزكية النفس بالكذب افتراء على الله في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ينظّم الاجتماع البشري:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: 49]

ثم يقول:

﴿ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَكَفَىٰ بِهِٓ إِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 50]

أي أن الذي يزكّي نفسه على غير الواقع ويريد أن يُحمَد بما لم يُؤتَ، فإنه يكون قد خالف الواقع وافترى واختلق على الله سبحانه وتعالى.

الكذب أساس هدم المجتمعات والصدق أساس بنائها في سورة النساء

والكذب أساس من أسس هدم المجتمعات، كما أن الصدق أساس من أسس بناء المجتمعات. ولذلك ناسبت هذه الآيات ما أرادته سورة النساء من بناء المجتمع البشري على أسس قوية وسليمة.

فلا بدّ من أن يكون هناك صدق بين الحاكم والمحكوم، ولا بدّ أن يكون هناك صدق بين المجتمع ونفسه، ولا بدّ أن يكون هناك صدق بين هذا المجتمع والمجتمعات الأخرى، ولا بدّ أن يكون هناك صدق بين الجميع حتى تسير البشرية في نطاق الله وفي طريق الله.

فإذا لم يكن [الصدق] وكان هناك الكذب، فإن الأمر يكون قد بُني على هشاشة تُؤذِن بالسقوط.

الكذب إثم مبين يتعدى ضرره إلى الغير وتحريمه في كل أحواله

ولذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَكَفَىٰ بِهِٓ إِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 50]

يعني كفى بهذا الحال من الكذب والافتراء، من بناء الأمر على الهشاشة دون الصلابة وعلى الكذب دون الصدق، إثمٌ واضح لا شكّ فيه.

وذلك لأن هذا الإثم سوف يتعدّى ضرره إلى غيره؛ لا يقتصر ضرر الكذب على الإنسان في ذاته، بل إنه يتعدّى إلى غيره. ولذلك حرّم الله الكذب بكل مراحله وفي كل أحواله.

حديث النبي في أن الكذب أشد من الزنا والسرقة عند المؤمن

حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستعرض الآثام والمعاصي ويسأله السائل:

قال: «أيزني المؤمن؟ قال: نعم. قال: أيسرق المؤمن؟ قال: نعم. قال: أيكذب المؤمن؟ قال: لا»

يعني إذا هذه كبائر — الزنا والسرقة — معاصٍ وفواحش وكبائر، جعل الله بإزائها حدودًا. ولمّا جعل الله بإزائها حدودًا فقد استعظم أمرها ونهى عنها نهيًا مطلقًا وجعلها من الكبائر، وإذ بالكذب يكون أشدّ منها.

وجوب الصدق في جميع العلاقات الفردية والجماعية والصدق منجاة

فيجب علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا، ويجب علينا أن نكون صادقين مع ربنا، ويجب علينا أن نكون صادقين مع الناس، ويجب علينا أن نكون صادقين في حالة الفرد، ويجب علينا أن نكون صادقين في حالة الجماعة، ويجب علينا أن نكون صادقين فيما بيننا، ويجب علينا أن نكون صادقين مع غيرنا، ولا بدّ علينا أن نكون صادقين في العلاقات التي تحكمنا.

فالصدق منجاة كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

معنى الأمر بالنظر في القرآن بين البصر والبصيرة والتفكر

انظر، ولمّا قال لنا انظر فهو أمر مباشر لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم بالنظر، باعتباره أنه مهبط الوحي وأنه قد نُزِّل عليه هذا القرآن، لكنه لكل فرد من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من بعده أن ينظر وأن يعتبر.

والنظر قد يكون بالعين المجردة — بعين البصر — وقد يكون بالعين عين البصيرة والقلب. فقد يكون بعين البصر أو يكون بعين البصيرة.

فإذا كان بعين البصر فهو في مجال المحسوس حيث يرى البصر، ولو كان المقصود بعين البصيرة فهو في مجال المعاني والمفاهيم حيث ترى البصيرة.

وجوب الامتثال للأمر بالنظر الصحيح في الحس والبصيرة والاعتبار

فيجب علينا أن نمتثل للأمر بنظر صحيح في مجال الحسّ والتتبع، وبنظر صحيح في مجال البصيرة والتفكر. فلا بدّ من الاعتبار ولا بدّ من تصحيح الأفكار.

يقولون هكذا: لا بدّ من الاعتبار ولا بدّ من تصحيح الأفكار.

انظر — فلا بدّ لنا أن ننظر بصورة تامة:

﴿ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ [النساء: 50]

ضرورة إنشاء الدراسات حول الكذب وأسبابه عند الإنسان والطفل

نعم، يبقى إذن لا بدّ لنا أن ننشئ الدراسات حول الكذب؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بذلك.

متى يكذب الإنسان؟ لماذا يكذب الإنسان؟ كيف يكذب الإنسان؟

وهناك دراسات قام بها الناس في الكذب. يقول لك: الطفل الصغير لا يكذب حتى سنّ معينة، وما إن يصل إلى هذا السنّ حتى يبدأ بالكذب.

فلماذا يكذب؟ لأنه يريد تحصيل منفعة. فنكتب هذا رقم واحد: الكذب من أسبابه محاولة تحصيل المنفعة.

ثانيًا، أنه يريد أن يهرب من العقاب. فالأولى كذبٌ طلبًا والثانية كذبٌ هربًا، فهذا سبب وذاك سبب.

تربية الطفل على الصدق والتفريق بين الكذب العمد والكذب الخطأ

فكيف يفيدنا هذا فيما الذي نريده أثناء التربية؟ نريد أن نربّيه ونقول له: لا، الكذب خطأ وحرام وخاطئ ولا بدّ من الصدق. طيب، وهذا كيف ستحققه؟ لا بدّ أن تُقنع هذا الطفل الصغير؛ لأنه بدأ يكذب، وقد يكون قد فعل هذا.

يكذب عمدًا وقد يكون يكذب خطأً. ولذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم سمّى الخطأ ومخالفة الواقع كذبًا.

فلمّا قال سعد [بن عبادة]: «اليوم يوم الملحمة» في فتح مكة، قال [النبي ﷺ]: «كذب سعد»، يعني أخطأ سعد.

فالكذب هو الخطأ بلغة قريش. يبقى في كذب خطيئة وفي كذب خطأ.

خلاصة معنى الأمر بالنظر في القرآن بحثًا حسيًا وبصيرًا

وهكذا كل هذا تحت قوله:

﴿ٱنظُرْ﴾ [النساء: 50]

يبقى انظر معناها: ابحث بحثًا حسيًّا وبحثًا بصيرًا [أي بالبصيرة والتأمل].

وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم.