سورة النساء | حـ 669 | 50 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 669 | 50 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • تعلمنا سورة النساء الصدق مع النفس والآخرين، وتحذر من الكذب بقوله تعالى: "انظر كيف يفترون على الله الكذب".
  • دراسة المعصية ضرورية للابتعاد عنها، استناداً لقول عمر بن الخطاب: "لست بالخبيء ولكن الخبيء لا يخدعني" و"من تعلم الشر أولى أن لا يقع فيه".
  • يؤكد هذا المعنى حديث حذيفة: "كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه".
  • الله أمرنا بالنظر والتفكر في المعصية بقوله: "انظر كيف يفترون على الله الكذب" لنعرف كيفية تجنبها وتربية أبنائنا على البعد عنها.
  • جملة "وكفى به إثماً مبيناً" من التراكيب القرآنية الفريدة التي اختلف العلماء في إعرابها.
  • بعضهم أعربها بأن "كفى" فعل ماض، والباء حرف جر، ولفظ الجلالة فاعل منع من ظهور الضمة.
  • بينما رأى آخرون كالشيخ رشيد رضا أنها من أعالي كلام العرب وليس لها إعراب معين.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة في تعليم الصدق والتحذير من الكذب في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يعلمنا ربنا سبحانه وتعالى الصدق؛ مع النفس، والصدق مع الآخرين، والصدق على مستوى الفرد، والصدق على مستوى الجماعة. ويُبغِّض إلينا الكذب بكل درجاته وأنواعه، فيقول:

﴿ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ [النساء: 50]

وفي هذه الآية يأمرنا ربنا سبحانه وتعالى أن ندرس المعصية؛ لأن الكذب على الله معصية، فلا بد لنا أن ندرس المعصية.

دراسة المعصية مبنية على منهج عمر بن الخطاب رضي الله عنه

ودراستنا للمعصية مبناها على قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو من هو؛ وزير رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أمير المؤمنين من الخلفاء الراشدين، هو الذي كانت ابنته [حفصة] زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ابنة عمر، أي أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ورضي الله عن عمر، وهو الذي عاش يعلم المسلمين كيفية تطبيق الدين، وهو في الوقت نفسه قد أكرمه الله بمجاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدُفن معه في حجرة واحدة.

احتجاب عائشة رضي الله عنها بعد دفن عمر في الحجرة النبوية

حتى إذا ما دُفن [عمر رضي الله عنه] في تلك الحجرة الشريفة المباركة احتجبت عائشة [رضي الله عنها]؛ فلما أن انتقل رسول الله إلى الرفيق الأعلى بموته وفارق الدنيا فدُفن معها [في حجرتها] لم تكن تحتجب، فلما دُفن أبوها [أبو بكر الصديق رضي الله عنه] لم تكن تحتجب، فلما دُفن عمر رضي الله تعالى عنه احتجبت عنه.

وهذا فيه معنى جليل [يدل على شدة حيائها وورعها رضي الله عنها].

قول عمر بن الخطاب في تعلم الشر للوقاية من الوقوع فيه

عمر [رضي الله عنه] يقول: لست بالخَبِّ ولكن الخَبَّ لا يخدعني، يعني لست بالخبيث الماكر، لست بالشرير، لكن الشرير الخبيث لا يستطيع أن يخدعني.

ويقول: من تعلَّم الشر أولى أن لا يقع فيه. انظر إلى هذا الكلام، يعني تتعلم الشر، كيف؟ تتعلم الشر حتى لا تقع فيه.

إذن هناك دراسة للمعصية الهدف منها البُعد عنها، والهدف منها التدريب على الامتناع عن المعصية.

دراسة الشر لا تعني تطبيقه بل الابتعاد عنه بأمر الله

إذا فيمكن أن ندرس الشر لكن لا نطبقه، وإنما ندرسه من أجل أن نبتعد عنه؛ لأن الله أمرنا فقال:

﴿ٱنظُرْ﴾ [النساء: 50]

فيبقى هذا أمر بالدراسة والاعتبار والتفكر وجمع المعلومات.

﴿كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ﴾ [النساء: 50]

فتبقى هذه معصية؛ يفترون على الله الكذب، وأنا لما أعرفها، يعني أعرف ماذا [يفعلون]؟ آه، تعرف المعصية فتعرف كيف تربي أبناءك على البُعد عنها، وتعرف كيف تتقيها.

حذيفة بن اليمان يسأل عن الشر خوفًا من الوقوع فيه

وهذا كلام نجده عند حذيفة [بن اليمان رضي الله عنه] عندما يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، يعني واحد يقول له: يا رسول الله ما أحب الأعمال إلى الله؟ يقول له: «الصلاة في وقتها».

وآخر يسأل نفس السؤال فيقول له هكذا، أي: يا رسول الله ماذا أعمل؟ فيقول له: «بر الوالدين». وثالث يقول له: يا رسول الله ما أحب الأعمال إلى الله؟ فيقول له: «الجهاد في سبيل الله».

النبي يوجه كل سائل بحسب حاله وما يحتاج إليه

[وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجيب كل سائل] حسب حال السائل؛ فرأى شخصًا قصَّر في الصلاة فيزيد همته في الصلاة، أو رأى شخصًا محافظًا على صلاته لكن بر الوالدين في شيء [من التقصير] هكذا، فيأمره ببر الوالدين. وهكذا.

كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت [أي حذيفة] أسأله عن الشر. هذه نفس الفكرة؛ مخافة أن أقع فيه.

يبقى هذا [السؤال عن الخير] أمر حسن، تعلَّم، لكن أيضًا من هذا [المنهج] أن نسأل عن الشر حتى لا نقع فيه.

معنى وكفى به إثمًا مبينًا في وصف الكذب على الله

﴿ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ وَكَفَىٰ بِهِٓ إِثْمًا مُّبِينًا﴾ [النساء: 50]

انظر إلى الكلام: وكفى به إثمًا مبينًا. قالوا هذا التركيب «كفى به» و«كفى بالله وكيلًا» و«كفى بالله حسيبًا» و«كفى به إثمًا مبينًا»، هذا يعني: كفى بالكذب على الله إثمًا مبينًا.

ما هو معناها هكذا؟ فقالوا: هذا مما انفرد به القرآن، أحيانًا هكذا ينفرد بأشياء، وهو من أعالي كلام العرب، حتى أنهم قد حاروا في إعرابه.

إعراب تركيب كفى بالله شهيدًا وخلاف النحاة فيه

كانوا قديمًا يمتحنوننا في هذه الحكاية، يقول: أعرب هكذا: كفى بالله شهيدًا، كفى بالله وكيلًا، كفى بالله حسيبًا. أعرب الآن.

ماذا سنقول؟ تعال نقول له: «كفى» فعل ماضٍ، كفا. طيب فعل إذن، حسنًا. فأين الفاعل إذن؟ قال: والله الفاعل لفظ الجلالة، يعني «كفى الله» هكذا.

إذن لكن هذه «بالله»؟ قال: نعم، منع من ظهور الضم اشتغال لفظ الجلالة بالكسرة التي نتجت من الباء، هذه التي هي الباء حرف جر. إذن لفظ الجلالة فاعل.

تفصيل إعراب الفاعل في تركيب كفى بالله وإضافة باء الجر

حسنًا، «كفى» فعل، ولفظ الجلالة فاعل، ولكنه فاعل. لماذا؟ أُضيفت إلى لفظه باء الجر فمنعت ظهور الضمة عليه، الضمة عليه، ظهور الضمة عليه.

حسنًا، إذن التركيز واحد. قال: ماذا؟ نعم هذا كلام صحيح هكذا. النحاس ذكر أنه موجود في الكتب.

رأي الشيخ رشيد رضا في أن تركيب كفى بالله ليس له إعراب

فجاء منهم الشيخ رشيد رضا قال: ما رأيك في هذه العبارة؟ ليس لها إعراب. كيف؟ قال: هذا من أعالي كلام العرب، الإعراب هذا للكلام العادي فقط، لكن هذا كلام غير عادي.

هناك مذهب كذلك يقول لك: هذا ليس له إعراب. لماذا؟ قال: الإعراب هذا هو للأشياء العادية كذلك، لكن هذا شيء ما، شيء فوق الوصف.

«وكفى بالله شهيدًا» و«وكفى به إثمًا مبينًا»، هذا تركيب هكذا على بعضه البعض ما له إعراب. يقول هكذا الشيخ رشيد رضا ومن وافقه.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.