سورة النساء | حـ 673 | 51-52 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 673 | 51-52 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تفسير قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا" يستوجب إنكار المنكر على أهل الأديان والكفر بالعدل.
  • وصف الله تعالى من اختل ميزانهم بقوله: "أولئك الذين لعنهم الله"، واللعنة علامة من علامات الكبائر.
  • الكبيرة تختلف عن الصغيرة بورود اللعن فيها أو التخليد في النار، كالسرقة والقتل وعقوق الوالدين والسحر وشهادة الزور.
  • الصغائر واللمم تُغفر بالصلوات الخمس، أما الكبائر فتُغفر بالإقلاع والندم والعزم على عدم العودة إليها.
  • قوله تعالى: "ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا" يفيد أن من لعنه الله لن يجد ناصراً في الدنيا ولا في الآخرة.
  • "لن" تفيد المستقبل البعيد، ومعنى عدم وجود النصير أنه لن يُغاث وقت الشدة.
  • من شؤم المعصية اللعنة، ومن شؤم اللعنة فقدان النصير، بينما من بركة الطاعة الاستجابة ووجود النصير.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الإيمان بالجبت والطاغوت من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَـٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: 51]

وجوب إنكار المنكر على أهل الأديان والكفر حتى لا يختل الميزان

وقلنا في هذه الآية أنه ينبغي علينا أن ننكر المنكر على أهل الأديان إذا ما نسوا رحمة الله سبحانه وتعالى، وعلى أهل الكفر إذا ما نسوا الله سبحانه وتعالى، وإلا يختل بأيدينا الميزان.

فنصف كل فريق بما يستحق، وننكر على كل فريق ما يستحق، لا أن نصف الذين آمنوا بأنهم أشد ضررًا من الآخرين [الذين] كفروا.

اللعن علامة من علامات الكبائر عند ابن فورك وضوابط تمييزها

والله سبحانه وتعالى يصف أولئك الذين اختل بأيديهم الميزان فيقول:

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾ [النساء: 52]

واللعن كما يقول ابن فورك علامة من علامات الكبائر؛ فإذا ما قرن الله سبحانه وتعالى فعلًا من أفعال البشر باللعنة، فإنه يشير إلى أنها كبيرة من الكبائر.

فالكبيرة تختلف عن الصغيرة في أنه قد ورد [بشأنها] حدٌّ كالسرقة والقتل، أو إنها قد ورد بشأنها لعن كعقوق الوالدين والسحر وشهادة الزور، أو أنه قد ورد بشأنها تخليد في النار كشأن الانتحار ونحو ذلك.

الفرق بين الكبائر واللمم في كيفية التكفير والمغفرة

فإذا كان الأمر كذلك والله أعلم بما هنالك، تميزت الكبيرة عن الصغيرة، وعظائم الأمور عن سفاسفها واللمم.

فاللمم يُغفر بالصلوات الخمس، أما هذه الكبائر فتُغفر بالإقلاع عنها فورًا، وبالندم على فعلها، وبالعزم على ألا نفعلها بعد ذلك أبدًا، وإن تعلقت بحقوق العباد رددنا الحقوق إلى أصحابها.

اختلال المعيار والميل إلى الكافرين كبيرة من الكبائر الملعونة

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ﴾ [النساء: 52]

يبقى إذن هذا الفعل الذي اختل فيه المعيار ومالت القلوب فيه إلى الكافرين دون المؤمنين، اختل فيه المعيار فلم ننكر المنكر على أهله، ففيه كبيرة من الكبائر.

﴿وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: 52]

معنى الإطلاق في نفي النصير في الدنيا والآخرة وأقوال العلماء في لن

إذا، ومن يلعنه الله، يعني الذي يلعنه ربنا لن تجد له نصيرًا، وأطلق [الله سبحانه وتعالى]، وإذا أطلق فقد عمَّم. أطلق يعني لا ستجد له نصير في الدنيا ولا ستجد له نصير في الآخرة، يبقى لن تجد له نصيرًا في الدنيا أو الآخرة.

لأنه لو أراد أن يخصص لخصص وقال: لن تجد له نصيرًا في الآخرة يوم القيامة، أو في الدنيا، ولكن لما أطلق عمومًا:

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: 52]

و**«لن»** تفيد التأبيد عند الزمخشري، ولا تفيده عند الجمهور. فـ«لن» معناها أنها سوف تكون للمستقبل البعيد المدى.

الجمع بين قول الزمخشري والجمهور في معنى لن تجد له نصيرًا

الذي يجمع بين هذا [القولين] يقول: أبدًا. وانتبه كيف، لا هو ليس أبدًا كما يقول الزمخشري، لا كما يقول الجمهور أنه مسافة بعيدة جدًا.

فـلن تجد له نصيرًا، ومعنى هذا أن النصير ليس في حد الغوث. ما يقوله «لن» يعني عندما أمشي هكذا أبحث عن نصير في حد الغوث لا أجده.

معنى حد الغوث في الفقه وعلاقته بفقدان النصير عند اللعنة

المرء يريد نصيرًا متى؟ عندما يكون في أزمة، في شدة، فأريد النصير فورًا، لن أجده، لن أجده.

معناها سأبحث في حد الغوث. ما حد الغوث هذا؟ حد الغوث هذا كلمة نجدها في الفقه، حد الغوث قيل: عندما تصرخ في الصحراء تصرخ هكذا صراخًا تصوِّت: «الحقوني!» إلى أي مدى يصل صوتك، إلى أي مسافة يسمع الشخص صوتك، هذا هو حد الغوث.

وهو عندما يقف الواحد في دائرة هكذا في مركز دائرة ويقول: «الحقوني!» بعلو صوته، إلى أي مدى سيصل؟ أربعمائة متر، ثلاثمائة متر، هذا هو حد الغوث.

حد الغوث في باب التيمم والبحث عن الماء في الفقه الإسلامي

حسنًا، والبحث عن الماء تقرأ هذا الكلام في باب التيمم، قال لك: هذا أنت تمشي ميلًا هكذا، يعني شيئًا مقداره كيلو ونصف، تبحث عن الماء.

طيب، أنا مشيت هكذا كيلو ونصف، مشيت هكذا كيلو ونصف، ومشيت هكذا، والله ما يوجد بئر، ما يوجد في هذه المنطقة بئر. طيب، ما أنا يكون السبع أكلني أو اللص سرقني! ولا يبقى ما ليس هناك نصير.

شؤم المعصية يفقد النصير وبركة الطاعة تجلب الاستجابة والنصرة

أي معناه أنك لن تجد النصير أبدًا؛ لأنه في كلمة «لن» هذه تجعلك تعلم أنه لن يغيثك مغيث.

وهذا ما هو الكرب؛ هذا الإنسان عندما يكون في كرب يكون محتاجًا لنصير، لكن هذا من شؤم المعصية، من شؤم الكبيرة؛ فإن الطاعة لها شؤم [كذلك المعصية]، ومن شؤم المعصية اللعنة، ومن شؤم اللعنة فقدان النصير.

فمن بركة الطاعة الاستجابة، ومن بركة الاستجابة وجود النصير. يبقى إذن هذه الطاعة بركة والمعصية لعنة.

خاتمة ودعاء بالنصرة والتمكين في الأرض والسلام على المستمعين

﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ [النساء: 52]

فاللهم يا ربنا انصرنا على أعدائنا وانصرنا على أنفسنا، ومكِّن لنا في الأرض كما مكَّنا للذين من قبلنا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وإلى لقاء آخر أستودعكم الله.