سورة النساء | حـ 675 | 53 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 675 | 53 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

10 دقائق
  • الآية "أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا" تبين أن الملك كله لله، ولو افترضنا أن للبشر نصيباً من الملك لظهر شحهم.
  • الشح غريزة مجبولة في الإنسان كجزء من غريزة البقاء، وله وجه حسن ووجه سيء.
  • الشح المعتدل نافع للإنسان ليدخر لمستقبله، لكن ينبغي أن يقف عند حد معين.
  • قال تعالى: "ومن يوق شح نفسه" فالشح يمكن تقليله لكن لا ينعدم كلياً من النفس البشرية.
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب الكرم، والكرم صفة طيبة يُمدح بها الناس.
  • من أسماء الله تعالى "الكريم" وليس من أسمائه "البخيل" أو "الممسك".
  • الله لا يخشى الإنفاق لأنه قادر ومالك على الحقيقة، يقول للشيء كن فيكون.
  • "النقير" هو الأخدود الصغير في نواة التمرة، وهو شيء تافه جداً يضرب به المثل في قلة العطاء.
  • الأسماء الحسنى تعلمنا من نعبد وتعلمنا من نحن.
محتويات الفيديو(15 أقسام)

مقدمة تفسير آية من سورة النساء في تنبيه الناس أجمعين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو ينبه الناس أجمعين؛ ينبه المؤمن وينبه الكافر، ينبه المهتدي وينبه الضال:

﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 53]

تفسير معنى الآية: الملك كله لله وحده لا شريك له

أي إذا فرضنا على خلاف الحقيقة أن أحدًا منهم له نصيب من الملك، أن أحدًا من البشر له نصيب من الملك، وهذا ليس الأمر الواقع.

إنما الأمر الواقع أن الملك كله لله؛ فهو مالك يوم الدين، وهو الملك على الحقيقة، وهو الذي يملك الدنيا والآخرة.

﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ ٱلْمُلْكِ﴾ [النساء: 53]

لو فرضنا أن لهم نصيبًا من الملك، وهذا هو قوله «فإذن»، يعني حينئذٍ حينما يكون لهم نصيب من الملك لظهرت خاصية أخرى في النفس البشرية وهي الشح.

الشح غريزة بشرية مجبول عليها الإنسان لها وجهان حسن وسيئ

والشح مجبول عليه الإنسان كجزء لا يتجزأ من غريزة البقاء. كل شيء حتى هذه المعاني لها وجهان: وجه حسن قد يكون قليلًا، ووجه سيئ قد يكون كثيرًا.

والذي يحدد لنا ما الذي ننميه في نفوسنا أو نقضي عليه فيها هو الله [سبحانه وتعالى]:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

فالشح في النفس البشرية راسخ.

فائدة الشح في حفظ المال والادخار وعدم التبذير

هذا الشح له فائدة، وهو أن أُبقي؛ فمعي طعام فأدخره إلى الغد، لأن الغد قد لا يكون معي طعام. وتفعل ذلك لماذا؟ لا ترمِه واصرف ما في الجيب يأتيك ما في الغيب، لا، نفس الإنسان ليست هكذا.

لِمَ لا تُخرج كل يوم من مالك وتتوكل على الله كل يوم هكذا؟ تصبح في الصباح فترى رصيدك كم هو فتقول: توكلنا على الله، هو لله صدقة. طيب وبعد غدٍ سيرزق إن شاء الله، فلنصرف اليوم الذي فيه في الرصيد، قم يأتي لغدٍ، لا، ذهبوا مطلعين له.

البخل النافع في الادخار والحرص يجب أن يقف عند حدود معينة

مثل آخر: البخل يعمل [عمله في حفظ المال]، ولكن هذا البخل نافع. قال له: القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود، يبقى لازم ماذا؟ نحرص وندخر.

إنما هذا البخل يجب أن يقف عند حد. ما هذا البخل [الذي يتجاوز حده]؟ هو الذي يدعو الناس إلى الإمساك:

﴿لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ ٱلْإِنفَاقِ﴾ [الإسراء: 100]

تقويم النفس من الشح بالموعظة والخطبة والتعليم

إنما الذي ليس من صفته البخل أبدًا [هو الله سبحانه وتعالى]. أنا لديّ بخل عشرة في المائة، تسعون في المائة ليس بخلًا حسنًا. وهذا لماذا؟ لأنني أقوم بتقويم نفسي وأقول وأخطب يوم الجمعة، وهذه موعظة في الدرس، وهكذا إلى آخره.

﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]

فقد كان ماذا؟ يأمر الناس [بالخير والإنفاق]؛ إنها تقلل الشح، تقلل الشح، تقلل، ولكن لن يقدر أن ينعدم.

الشح المحمود في حدوده والشح المذموم الذي يتجاوز حده

فالشح الذي هو الإمساك له فائدة عندما يكون في حدوده التي خلقها الله فيها. أما أن نتركه ينمو حتى يكون أحدنا شحيحًا بخيلًا، يعني فذلك بئس الأخلاق هي.

حب النبي ﷺ للكرم وثناؤه على حاتم الطائي رغم موته على الشرك

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الكرم. كان يحب حاتم الطائي وقد مات على الشرك والكفر، حتى قال لابنته:

قال رسول الله ﷺ: «إن أباكِ كان يحب مكارم الأخلاق»

وأبوها كان يفعل ماذا؟ كان كريمًا وشاع عنه كرمه. إنما كان يفعل هذا من أجل أن الكرم صفة طيبة يُمدح من أجلها الناس، والشح بخلاف ذلك.

الكريم من أسماء الله الحسنى ولا يوصف سبحانه بالبخل أو الإمساك

ولذلك فمن أسمائه تعالى الكريم، لكن ليس هناك من أسمائه الممسك ولا البخيل، حاشا لله جل وجه الله. فهو الكريم، وذلك أنه لا يخشى الإنفاق؛ وذلك لأنه يقول للشيء كن فيكون، وذلك لأنه الملك على الحقيقة.

معنى فإذاً لا يؤتون الناس نقيرًا لو ملك البشر لأمسكوا خشية الإنفاق

إذن فكلمة «فإذن» تعني: لو أنكم قد ملكتم نصيبًا من الملك وجُعل لكم الأمر فيه لأمسكتم خشية الإنفاق، ولانقلب عليكم ما فيكم من الشح.

إنما الذي هو أجدر أن يكون الأمر بيده هو من ليس عنده شح، وليس انعدام الشح عنده منقصة.

الفرق بين انعدام الشح عند الله تعالى وعند البشر وصفة القدرة المطلقة

ما هو ممكن أن يكون انعدام الشح عندنا نحن منقصة؟ سبحان الله، لو لم تعد بخيلًا خمسة في المائة تصبح مسرفًا.

لكن هو [الله سبحانه وتعالى] لا يوصف بأنه مسرف. لماذا ما هو ما ليس فيه بخل؟ لماذا؟ لأنه قادر؛ لأنه ملك على الحقيقة، قادر فيقول للشيء كن فيكون، وملك لأن هو الملك على الحقيقة، يعطي من يشاء ويمنع من يشاء.

ولذلك لم يناسبه البخل، ولم يناسبه أن يوصف بالإسراف، ولم يناسبه أن يوصف بالإمساك، ولم يناسبه سبحانه وتعالى إلا كما وصف لنا نفسه ليعلمنا من نعبد.

أهمية معرفة أسماء الله الحسنى لمعرفة من نعبد ومعرفة أنفسنا

نعبد إلهًا كريمًا قادرًا مالكًا محييًا مميتًا سبحانه وتعالى جل وجه الله.

الأسماء الحسنى هذه والأسماء التي موجودة في القرآن والسنة مهمة؛ لأنها تعلمك من تعبد، وأيضًا تعلمك من أنت لكي تخجل قليلًا من نفسك.

فأنت البخل عندك، وعلى فكرة البخل هذا يمكن أن يكون جيدًا أيضًا قبلك [أي لصالحك]، ولكن يجب أن يكون في إطار ما خلقه الله فيه فاتقيه تحيطه.

﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]

معنى النقير في الآية وهو الأخدود الصغير في نواة التمرة

﴿فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 53]

ما النقير هذا؟ النقير هذا يقول لك: عندما تأكل التمرة فيكون داخلها نواة، والنواة عندما تمسكها تجد فيها يعني أخدودًا هكذا، النواة فيها أخدود. الأخدود هذا هو النقير.

ليس النواة بحالها ولا التمرة بحالها، بل حتى النقير هذا لن تعطيه لأحد. فالنقير الذي هو القطعة التي في النواة الصغيرة هذه.

معنى شروى نقير وهي الغلالة البيضاء الصغيرة الخارجة من النقير

والنقير هذا تجد فيه غلالة بيضاء صغيرة هكذا هي خارجة منها، فيقول لك هذه الشروى، ويصبح اسمها شروى نقير. ويقول لك: والله لا أعطيك شروى نقير.

شروى النقير التي هي شيء تافه جدًا حتى أن الإنسان لا ينتبه إليها، ولو أن أكل البلحة بنواتها فهذه تُبتلع ولا تظهر شروى النقير هذه.

خاتمة التفسير والدعاء بالوقاية من شح النفس والتحلي بالكرم

فالنقير وشروى النقير تبقى وقعتنا بيضة [أي أمرًا عجيبًا]؛ لأنه يقول لك:

﴿فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 53]

هذا ليس نواة وليس بلحًا، هذا نقير [وهو أقل شيء يمكن تصوره].

فاللهم قِنا شُحَّ أنفسنا واجعلنا من الكرماء. وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.