سورة النساء | حـ 676 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

سورة النساء | حـ 676 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يكشف لنا عن صفات النفس البشرية، وهذا الكشف المراد منه هنا وفي هذه السورة في ذلك السياق والسباق واللحاق بناء الاجتماع البشري على أسس ربانية حتى يسعد الإنسان وحتى يكون عبدا ربانيا يقول "أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ‎*‏ فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا" ﴿النساء: ٥٥:٥٤﴾‏
أي الحقيقة كلام لا يعرف البشر قوله تراكيب يا أخي سبحان الله ما هذا الشيء، ما رأينا أحدا من البشر يتكلم هكذا، ما رأينا هذه الصياغات لا قبل القرآن ولا بعد القرآن، لا في الشعر العربي ولا في الخطاب الجاهلي ولا في حكمة الحكماء ولا في ألسنة الأقوام المختلفة ولا في كذا وكذا، ما رأينا هذه التراكيب " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ" ‎[النساء: ٥٤]، إذاً الحسد من طبيعة الخلق، وهذا الحسد ما أساسه الغيرة، فالإنسان يحسد عندما يكون لديه
غيرة، غيور من زميله أو المرأة غيورة من زميلتها أو المرأة غيورة من الرجل أو الرجل غيور من المرأة، إذا يوجد غيرة والغيرة، قد تكون في ذاتها شعورا فيه مدح، وقد يكون الله سبحانه وتعالى قد خلقها فينا من أجل الحفاظ على النوع البشري، المرأة التي تغار على زوجها إنما تريد الحفاظ على الأسرة، هذه الغيرة يمكن أن تكون في حدود المعقول، ويمكن أن تزيد قليلا فتصبح مشكلة، ويمكن أن تزيد
كثيرا فتصبح بلاء، لكنها في أصلها ضرورية للحفاظ على الأسرة، لها وجه حسن اذاً إنما إذا تمادينا فيها كأي شهوة من الشهوات أو صفة من الصفات فالكرم ينقلب إسرافا، والحكمة تنقلب جبنا، والشجاعة تصير تهورا، وهكذا فإن كل شيء له حدود والشيء إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده هكذا يقول الحكماء، ولكن كلمة أم يحسدون تبقى هنا أقر بعملية الحسد وأنت تفسر فتنظر إلى أصل الحسد ما هو فتذهب إلى
الغيرة فتسير قليلا مع الغيرة وتعيش، هذه الغيرة كيف شكلها هل هي مختصة بالنساء فقط كما قد يشاع في بعض الثقافات؟ أبدا فالنبي صلى الله عليه وسلم وصف سيدنا عمر بأنه غيور فالغيرة موجودة عند الرجل في كماله، إن سيدنا عمر هذا من الصديقين الكبار، وقد تكون هذه الغيرة موجودة في النساء موجودة هنا وهناك إذن فلا بد لنا أن نفهم الغيرة وأن نقف عندها وأن ندرسها وندرس ما حدودها الطيبة وما حدودها التي تتحول إلى غيرة شريرة، ومن الغيرة الشريرة تمني
زوال النعمة من يد الغير أنا غيرت أن في نعمة جاءت لك وبعد ذلك تريدها أن تزول، فلماذا؟ ألا تتمنى مثلها؟ قل يا رب كما رزقت أخي فلانا ارزقني أنا أيضا، فهذه ما هي إلا غيرة حميدة قليلا، فيها غيرة حميدة، يعني وجدتك ناجحا فأريد أن أنجح مثلك، فهذه فيها نوع من أنواع المنافسة والمنافسة هنا في الزيادة أي في الخير "وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ" ‎[المطففين: ٢٦]، فتكون المنافسة نابعة من الغيرة أيضا ولكنها من الغيرات الطيبة من الغيرات في حدود المسموح به. فإذا تحولت
إلى حسد فإن الحسد هذا فيه تمني لزوال النعمة عند الآخرين، ومن أنواع التربية ومن فنونها الدقيقة أن تسمي الشيء باسمه الأصلي لا باسمه، فوجدت شخصاً يحسد دائما، مثل ذلك الرسم الكاريكاتيري الذي اسمه "السماوي" فالسماوي هذا يحسد دائما، هذا مرض أصبح مرضا، إذن نريد أن نعالجه، فقد اعطانا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مبدأ
من مبادئ التربية وهو ليس كل التربية هذا مبدأ من المبادئ، وهذا المبدأ لا يعمل بمفرده، المبدأ يعمل مع مبادئ أخرى كثيرة، انتبه لأن نفس هذا المبدأ يمكن أن ينقلب إلى شر إذا عمل بمفرده، وهو أن يسمي الشيء باسم أصله فيقول "لا حسد إلا في اثنتين"، فما هما الاثنان؟ أنا إذن حسود وعندما قال لي لا حسد إلا في اثنتين قلت جيدا جدا الحسد الذي عندي أنا سأفعله في هاتين الاثنتين لأني لست قادرا على ألا أحسد أحدا، سيكون هذا نوعا من أنواع الاستدراج وأخذ الحالة على مهل، "لا حسد إلا في اثنتين" قام
الحسود الذي عنده الحسد وصل إلى مرتبة شديدة، يقول ما هما الشيئان هذان لكي أحسدهما وأكون مع رسول الله، "رجل آتاه الله مالا وسلطه على هلكته"، هل هذا حسد؟ فبماذا يشبه الحسد؟ إنه كلما جاءه مال أنفقه في سبيل الله، فيصبح المال الذي جاءه قد زال يا أخي. واطمئن، ولكن قد زال في الخير وفي سبيل الله، "ورجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه بالليل والنهار" هذا سيقوده إلى الفعل الحسن الطيب والتدبر الطيب للقرآن الكريم، هذه مجالات أخرى هذا ليس حسدا هذا نعم في الحقيقة هو ليس حسدا
ولكنه شيء من الغيرة، أن أنا أريد أن أبقى هكذا، ربنا يرزقني رزقا واسعا ويسلطني في هلاكه بالحق وربنا يرزقني القرآن ويوفقني في قراءته بالليل والنهار، فإذا هذه مهمة جدا في التربية، كذلك ألا كذب إلا في ثلاث هي الثلاثة هؤلاء ليس كذبا ولا شيء لكنه سماهم كذبا استدراجا للأمر وتربية وهذا المبدأ يعمل مع غيره ولنا في ذلك كلام، فإلى لقاء آخر أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.