سورة النساء | حـ 680 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشير الله تعالى في سورة النساء إلى أنه آتى آل إبراهيم ثلاثة أمور: الكتاب والحكمة والملك العظيم.
- •هذه الأمور الثلاثة ضرورية لبناء المجتمع الرباني، وإذا اختل أحدها اختل الأساس.
- •قد تؤتى أمة الملك دون فهم الكتاب، أو تفهم الكتاب دون القدرة على التطبيق، أو تملك الاثنين دون القدرة على الاستمرار.
- •الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة كان مقبولاً لكنه لم يستطع بناء مجتمع رباني لعدم توفر المال.
- •المال عصب الحياة لكنه ليس وحده، فلا بد من اجتماع الكتاب والحكمة والمال معاً.
- •فقدت الأمة الملك العظيم بسبب مصائب منها الوباء الأسود الذي قلل عدد السكان في مصر من عشرين مليوناً إلى مليونين ونصف.
- •ثم اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح الذي حول التجارة بعيداً عن مصر.
- •الغنى والقوة والحضارة من عند الله، ومن يشكر يزداد ومن يكفر يعذب.
مقدمة وتلاوة آية الحسد من سورة النساء وبيان ما آتاه الله آل إبراهيم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54]
إذا لم يقتصر الأمر هنا في آل إبراهيم [على أن الله] لم يرزقهم الله الفهم الصحيح للكتاب والقدرة الصحيحة للتنفيذ فحسب، بل أعطاهم أيضًا ملكًا عظيمًا يقدرون به على استمرار ذلك التنفيذ.
الأمور الثلاثة لبناء المجتمع الرباني: الكتاب والحكمة والملك العظيم
إذن فعلينا أن نعي هذه الأمور الثلاثة: فهم الكتاب، والقدرة على التنفيذ، والملك الذي يؤدي إلى الاستمرار.
وإذا اختلّ واحد من الثلاثة فإنه يختلّ أساس من أسس المجتمع الرباني. فقد تُؤتى أمةٌ الملك العظيم لكنها لا تُؤتى فهم الكتاب ولا الحكمة. وقد تُؤتى أمة أخرى الكتاب فتفهمه، لكنها لا تُؤتى الحكمة في التطبيق فتسيء التطبيق وتتحول العبادة إلى عادة.
وقد تُؤتى الكتاب والحكمة لكنها لا تستمر؛ لأنها قد فقدت الملك العظيم.
النبي ﷺ في مكة كان مقبولًا لكنه لم يستطع بناء دولة بدون المال
ولذا نرى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مكة يؤمن به الناس، يمدحه المشركون قبل المؤمنين به، فيصفونه بالصادق وبالأمين ويضعون عنده أماناتهم وودائعهم صلى الله عليه وسلم. على المستوى الفردي أو على مستوى الرسالة كان مقبولًا عند الناس.
ولكن لماذا لم يستطع أن يبني مجتمعًا ربانيًّا في مكة؟ لأنه ليس معه مال [كافٍ لبناء دولة]. السيدة خديجة كان [مالها] على قدره هو فقط، كذلك في قيامه بنفسه بأسرته بمن حوله بهذا، لكن ليس مال دولة. لمّا ذهب إلى المدينة جاء المال فبُنيت الدولة.
المال عصب الحياة لكنه ليس وحده بل يحتاج الكتاب والحكمة معه
إذن المال عصب الحياة، كلام قاله الماديون إلا أنه يترجم عن حقيقة هي جزء من كل. ما هو؟ المال عصب الحياة ولكن ليس هو فقط.
فعندما نأتي للتعامل مع هذا يقوم أحدهم ويقول: ماذا؟ إذا ما دام هذا خرج من أفواه هؤلاء الناس فيكون المال ليس عصب الحياة؟ خطأ! لا، المال عصب الحياة ولكن ليس وحده.
لا بد من الكتاب ولا بد من المال مع الكتاب والحكمة سيفعلون شيئًا. المال وحده لا يفعل شيئًا، الكتاب وحده لا يفعل شيئًا، الحكمة وحدها لا تفعل شيئًا. هذا يتطلب كتابًا وحكمةً ومالًا عظيمًا.
جامع السلطان حسن شاهد على عظمة الحضارة الإسلامية وفنونها البديعة
عندما نكون هنا في جامع السلطان حسن — والسلطان حسن هذا مملوك من المماليك — [نرى] شيئًا بديعًا جدًّا. المسجد في عمارته شيء بديع جدًّا، الفنون الإسلامية وكيف ارتقت إلى القمة إلى القمة في هذا العصر.
وبعد ذلك واجهنا أيامًا ذهب منا فيها الملك العظيم. كيف ذهب؟ من ذهاب المال.
المصيبة الأولى: الوباء الأسود وأثره المدمر على سكان مصر وانتقال الميراث
ما الذي حدث؟ الذي حدث ثلاث أو أربع مصائب، كل مصيبة مسمار في عرش الملك العظيم.
المصيبة الأولى: الوباء الأسود في عام سبعمائة وتسعة وأربعين. الوباء الأسود أصاب البلاد وكان فيها كذا مليون — يمكن في تقديرات تقول، يعني ممكن أن تكون صحيحة أو خاطئة، عشرون مليونًا — مصر أصبحنا مليونين ونصف! الوباء الأسود هذا معروف في التاريخ اسمه الموت الأسود.
مليونان ونصف! يقول ابن حجر [العسقلاني]: فكان الميراث ينتقل في يوم واحد في تسعة بيوت. المصيبة السوداء هذه يعني واحد مات فالميراث ذهب لزوجته — عائلة ثانية — هذا ميراثه من عائلة ثانية فماتت فذهب الميراث إلى أخيها، فمات فذهب لزوجته — عائلة ثالثة — فمات فذهب لأبيها، فمات الأب فذهب لزوجته — عائلة خامسة — تسع مرات، تسع عائلات ينتقل الميراث!
لكن انظر الآن هذه المصيبة في يوم واحد، في يوم واحد يكون [ذلك]!
أهمية التكوين السكاني والمصيبة الثانية اكتشاف رأس الرجاء الصالح وأثره على التجارة
إذن لا بد من الاهتمام بهذا التكوين السكاني من [أركان] الملك العظيم.
حسنًا، في [المصيبة] الثانية حوالي هذا العصر هكذا، فاسكو دا جاما ذهب مكتشفًا رأس الرجاء الصالح، فذهبت السفن بدلًا من أن تأتي إلى هنا [مصر] وتنزل وتذهب إلى الهند — وكانت هناك تجارة عبر مصر تستفيد منها — فالتفّوا من تحت أفريقيا وذهبوا إلى شواطئ الهند مباشرة.
يصبح الأفراد قليلين والسكان قليلين والمرض منتشرًا، فإذا لم يكن هناك الملك العظيم فقد بدأت الحضارة تنزل.
قراءة التاريخ من خلال القرآن والدعاء بعودة الحضارة والشكر لله تعالى
إذن يجب علينا أن نقرأ التاريخ من خلال ما أفهمنا الله سبحانه وتعالى إياه:
﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54]
يعني أن الغنى الذي حصل لنا كان من عندنا، والقوة والحضارة والفنون والآداب والعمارة التي حصلت لنا إنما هي من عند الله. ولكن هناك من يشكر وهناك من يكفر، فالذي يشكر:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]
وآتيناهم ملكًا عظيمًا. فاللهم أرجع إلينا حضارتنا وارزقنا من حيث لا نحتسب، واجعل قلوبنا تذكرك بالليل والنهار وتشكرك يا رحمن على ما كان. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
