سورة النساء | حـ 681 | 54-56 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 681 | 54-56 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • أركان قيام المجتمعات القوية في الإسلام هي: الكتاب والحكمة والملك العظيم، وهذه تستقيم بالإيمان بالله والتمسك بالمجتمع الرباني.
  • ذكر الله في سورة النساء "فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنم سعيرا"، فمن آمن نال سعادة الدارين الدنيا والآخرة.
  • الصد عن دين الله يتضمن الإعراض والمخالفة والحرب ضد منهج الله، وهو اختيار واع من الإنسان.
  • جهنم ليست قاصرة على الآخرة، بل يمكن أن يدخلها الإنسان في الدنيا بما يعانيه من ضيق وتكدير للصفو.
  • المعصية ومخالفة منهج الله تجعل الإنسان في عذاب يصعب الخروج منه.
  • الآيات تشمل كتاب الله المسطور (القرآن) وكتابه المنظور (الكون)، وكلاهما يدل على عظمة الله.
  • الكفر بآيات الله، سواء في الكتاب المسطور أو المنظور، يؤدي إلى العذاب الشديد.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الحسد من سورة النساء وأركان قيام المجتمعات

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54]

وعرفنا فيما سبق أن هذه أركان قيام المجتمعات القوية التي تسعد بربانية الأوامر الإلهية: الكتاب والحكمة والملك العظيم، وأن بهذه الثلاثة تستقيم الحياة، ولكن لا تدوم إلا بالإيمان بالله وإلا بالتمسك بهذا المجتمع الرباني.

انقسام الخلف بين الإيمان والصد عن منهج الله وجزاء كل فريق

ولذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى على أولئك الخلف الذين لم يراعوا موصول السلف، ولكنهم ابتدعوا وحادوا عما كان في الأمر الأول:

﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 55]

إذن فمن آمن به [بمنهج الله] فإنه يعيش في الجنة في الدنيا، وينقلب يوم القيامة فيدخله الله الجنة في الآخرة. وهذا معنى أن الدين هو سعادة الدارين؛ سعادة الدنيا وسعادة الآخرة.

فمن استقام عليه [على منهج الله] فإن الله سبحانه وتعالى يؤتيه أجره مرتين؛ أي مرة في الدنيا ومرة في الآخرة، ومن انحرف عنه فإنما يؤذي نفسه أول ما يؤذي.

ثمرة الإيمان والتمسك بمنهج الله مقابل الصد عنه بإرادة واختيار

فمنهم من آمن به [بمنهج الله]، ومن آمن به تمسك به، ومن تمسك به حصل ثمرته وفائدته. ومنهم من صدّ عنه.

والصد عنه فيه نوع من أنواع الإرادة، ونوع من أنواع الاختيار، ونوع من أنواع الطغيان، فيه نوع من أنواع:

﴿وَمَا ظَلَمْنَـٰهُمْ وَلَـٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [النحل: 118]

أي أنهم لم يفعلوا هذا [الصد] عن جهل بالكتاب، ولا جهل بالحكمة، ولا جهل بمقتضيات الملك العظيم. لم يفعلوا هذا إلا عن وعي وعن إدراك وعن اختيار؛ فاختاروا العاجلة على الآجلة، واختاروا مراد أنفسهم على مراد الله سبحانه وتعالى.

معنى كلمة صدّ عنه وأنها تعني المخالفة الكاملة والاستدارة عن الحق

فمنهم بعضهم من آمن به ومنهم من صدّ. انظر إلى كلمة صدّ هذه؛ صدّ عنه، صدّ يعني رأى ثم استدار ثم خالفه.

رأى أن هذه الحالة [منهج الله] تسير هكذا يمينًا فسار هو في اليسار، تسير شرقًا فسار هو مغربًا. سارت مشرقةً وسرت مغربًا، شتان بين مشرقٍ ومغرب!

صدّ عنه وليس فقط أنه التفت، لا، بل تركه بالكلية. فكان هو [منهج الله] على مراد الله يسير يمينًا، وكان هو [الصادّ] على غير مراد الله يسير يسارًا.

الصد عن سبيل الله يشمل المخالفة والرفض ومحاربة منهج الله

وكلمة صدّ عنه أيضًا لا تشمل المخالفة فقط، ولا تشمل الرفض فقط، بل تشتمل أيضًا على الحرب؛ فإنه يحارب منهج الله وهو لا يريد هذا المنهج، وبعد أن يستوعبه يرفضه.

وهنا كان من المناسب أن ينبهه [الله تعالى] أنه سوف يدخل جهنم. وهناك لفتة عظيمة ينبغي أن نلتفت إليها، وهي أن دخول جهنم ليس قاصرًا على يوم الآخرة، بل إنه يمكن أن يدخل الإنسان جهنم في الدنيا.

جهنم الدنيا في ضيق النفس وعذاب المعصية ومخالفة الفطرة

فجهنم فيها ضيق وفيها عذاب، ليس فيها اطمئنان وليس فيها سلام، وإنما فيها تعكير للصفو. والذنب والمعصية ومخالفة الفطرة والصد عن سبيل الله والالتفات عن منهجه سبحانه وتعالى يجعل الإنسان في جهنم في الدنيا.

كذلك العذاب:

﴿وَلَعَذَابُ ٱلْـَٔاخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ [الزمر: 26]

كذلك العذاب، يعني عذاب الدنيا هكذا، كذلك العذاب، يعني العذاب الذي تدخل فيه بناءً على مخالفتك وصدك عن سبيل الله ومنهج الله.

عذاب من يعرف الحق ولا يستطيع الرجوع إليه وحيلولة الله بين المرء وقلبه

ولقد وجدنا كثيرًا من يشعر بذلك العذاب ويتألم به، ونقول له: طيب، ما هو الأمر بيديك، اخرج منه، تب إلى الله! فإذا به لا يستطيع.

﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]

هذا إذن عذاب لا يوجد بعده شيء؛ يعني الإنسان يعرف أنه مخطئ ولا يعرف كيف يخرج من خطئه، وتغلبه نفسه وتكون أقوى منه، وتصده وتجعله يستمر في هذا الصد على الرغم من أنه يعلم الحق.

التحول من الضلال إلى الغضب الإلهي بسبب معرفة الحق والإعراض عنه

فيتحول [هذا الإنسان] من كونه كان ضالًّا إلى كونه مغضوبًا عليه:

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 6-7]

﴿فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 55]

تفسير آية عذاب الكافرين بالنار ومعنى الآيات في الكتاب المسطور والمنظور

ثم يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِـَٔايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 56]

إن الذين كفروا بآياتنا، والآيات قد تُطلق على ما أنزله الله في كتابه المسطور [أي] في الوحي على أنبيائه، في القرآن الكريم. وقد تُطلق أيضًا على دلائل عظمة الله سبحانه وتعالى في الكتاب المنظور [وهو] الكون.

فالكون يدل على الله، والكتاب يدل على الله؛ فهذا كتاب الله المسطور وهذا كتاب الله المنظور، وكلاهما يشتمل على آيات.

الفرق بين آيات الكتاب المسطور وآيات الكون المنظور في الدلالة على الله

هذه [آيات الكتاب المسطور] آيات بينات بلغة مفهومة، تصل من الأذن إلى العقل إلى الروح إلى القلب. وهذه [آيات الكون المنظور] آيات بينات يراها الإنسان ويشعر بها ويحس بها ويتعامل معها، ويوقن من خلالها أنه لا إله إلا الله الواحد الأحد.

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِـَٔايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56]

سواء كان [الكفر] في الكتاب المسطور أو المنظور، سوف نصليهم نارًا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها. هذا كلام واسع نؤجله إلى لقاء آخر.

فنستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.