سورة النساء | حـ 682 | 56 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 682 | 56 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يحذر الله الناس من الكفر بآياته سواء في كتابه المسطور الذي أنزله وحياً أو في الكون المنظور الدال على وحدانيته.
  • أخبر سبحانه أن الكافرين بآياته سيصليهم ناراً حقيقية، وكلما نضجت جلودهم بدلهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب.
  • كلمة "نضجت" تؤكد أن النار حقيقية وليست مجازية، والتبديل المتكرر للجلود يتناسب مع تكرار الذنوب.
  • هذا التخويف من الله لعباده، فهو خلقهم ليرحمهم لكن بعضهم لا يرضى أن يرحم نفسه.
  • افتتاح كل سورة بـ"بسم الله الرحمن الرحيم" يؤكد غلبة رحمته، فهو يتجلى برحمتين لا برحمة واحدة.
  • لولا تخويف الله لعباده لبغوا في الأرض وطغى القوي على الضعيف.
  • ينبغي عدم الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، بل لا بد من قراءة آيات العذاب مع آيات الرحمة.
  • القرآن كتاب متوازن في ترهيبه وترغيبه: "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم".
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة في تحذير الله تعالى من الكفر بآياته في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يحذر الناس من الكفر؛ يحذرهم من الكفر بآياته في كتابه المسطور الذي أنزله وحيًا على أنبيائه وعلى خاتمهم صلى الله عليه وآله وسلم سيدنا محمد.

ويحذرهم من أن يكفروا بآياته التي أظهرها في كونه؛ ليرى كل أحد دلائل وحدانية الله وعظمته في كل شيء، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد. يحذرنا لأن هذا [التوحيد] هو مفتاح منهج الله بعد ذلك.

تفسير آية إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارًا ومعنى كلمة كلما

وأبدًا:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِـَٔايَـٰتِنَا﴾ [النساء: 56]

يعني سواء [الآيات التي] في الكتاب المسطور أو [الكون] المنظور.

﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم﴾ [النساء: 56]

و كلما كلمة في اللغة العربية تفيد التكرار؛ كلما يعني مرة بعد مرة بعد مرة.

دلالة كلمة نضجت على أن نار جهنم حقيقية وليست مجازية

نضجت جلودهم، إذا كلمة نضجت ترشح أنها نار حقيقية؛ يعني لا يأتي أحد من الناس ويقول لعلها أن تكون نارًا مجازية تعذب الأرواح، وإنما كلمة نضجت جلودهم هذا أمر لا يكون إلا في المحسوس.

وهنا يتحدث أهل البلاغة عن كلمة الترشيح؛ يعني أن هذا [اللفظ] يؤكد ذلك [المعنى]، كلمة نضجت تؤكد أن النار نار حقيقية وليست مجازًا، وليست تختص بالأرواح دون الأجساد.

تبديل الجلود في نار جهنم وحكمة تجديد العذاب للكافرين

﴿نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم﴾ [النساء: 56]

إذن طبيعة الجلد مع النار أن يصل إلى حدٍّ يكون قد تآكل فيه نضجًا وتفككت أنسجتهم.

﴿بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56]

عندما يصل الإنسان إلى قريب من الدمار وقريب من الاحتراق التام ينتهي حسه، فينشئه [الله] خلقًا آخر ويبدأ معه عذابًا آخر.

لماذا؟ لأنه [العبد] ينشئ الذنب مكررًا.

تكرار الذنب يوافق تكرار العذاب يوم القيامة بتبديل الجلود

يعني عندما يرتكب المرء الذنب، هذا الذنب عرض لا يبقى زمنين؛ انتهى، عملت الذنب وانتهى، اسكت الآن وادخل في الطاعة. لا، إنه يرتكب الذنب مرة أخرى.

حسنًا، لقد ارتكبناه مرة ثانية وهذا كافٍ، لكنه يرتكبه مرة ثالثة ويقيم على الذنب. وكلما أقام على الذنب كلما تكرر ذلك الذنب، فوافق ذلك أن يتكرر العقاب:

﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا ٱلْعَذَابَ﴾ [النساء: 56]

الرد على من يفصل آيات العذاب عن مجمل القرآن ويتهم الدين بالعنف

هذا المظهر والحقيقة والآيات البينات بعض الناس يفصلونها فصلًا عن مجمل القرآن الكريم، وبعد ذلك يقول: يا أخي أنتم لماذا تشددون هكذا كثيرًا؟ فكلنا نخطئ ونذنب وهكذا.

يعني هكذا هو: نار ونصلاها، وبعد ذلك يأتي الجلد ينضج ثم لا يتركنا، يصنع لنا جلدًا آخر لكي يعذبنا مرة أخرى!

نعم، ذلك يخوف الله به عباده:

﴿يَا عِبَادِي فَاتَّقُونِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الزمر: 16]

هذا للتخويف؛ هو [سبحانه] لا يعلنه لك أنه خلقك ليعذبك، بل هو خلقك ليرحمك أصلًا. أنت الذي لا ترضى أن ترحم نفسك.

دلالة البسملة المتكررة في القرآن على سعة رحمة الله تعالى

هو [سبحانه] يقول:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

لماذا تنساها؟ هذه [البسملة] وضعها في أول كل سورة، لم يضعها مرة واحدة في القرآن، بل في بداية كل سورة تقول: بسم الله الرحمن الرحيم، بسم الله الرحمن، الله الرحمن الرحيم.

ستنساها هذه؟ وعندما تتجلى عليك تتجلى برحمتين لا برحمة واحدة.

آيات العذاب تُقرأ في سياق المعصية والكفر المستمر لا في سياق الرحمة

فعندما نقرأ آيات العذاب إنما نقرؤها في حالة المعصية:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِـَٔايَـٰتِنَا﴾ [النساء: 56]

ليس بآية واحدة بل بآيات كثيرة، لم يكفر وتاب بل كفر واستمر:

﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 56]

مع كونه سبحانه وتعالى كان رؤوفًا رحيمًا وكان عفوًّا غفورًا، لكنه أيضًا عزيز حكيم.

حكمة التخويف الإلهي في منع البغي والفساد في الأرض

لو لم يخوف الله العباد لبغوا في الأرض وأفسدوا وطغوا، ولتسلط أناس مع نسيانهم ذكر الله على أناس آخرين، وتسلط القوي على الضعيف والغني على الفقير والحاكم على المحكوم، ولا نجد ما نخوفه به.

فلما نزلت هذه الآيات لا ينطبع عند أحد من الناس -إذ أخذها فآمن بها ولم يؤمن بسواها- أن هذا دين عنف ودين قهر ودين بعيد عن الإنسانية. وهذه التهم التي تُذكر بالرغم من أن الله حذرنا من ذلك [الإيمان الانتقائي] فقال:

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]

لم يقل أيّ بعض.

التحذير من الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه ترغيبًا وترهيبًا

هناك من يؤمن بالترغيب دون الترهيب، وهناك من يؤمن بالترهيب دون الترغيب.

﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]

فلا بد إذن من قراءة آيات العذاب مع آيات الرحمة، ولا بد أن نضع الأمور في نصابها.

توازن القرآن بين الترهيب والترغيب وختام الحلقة بآية الرحمة والعذاب

وهذه الآيات إنما أُنزلت من أجل تخويف الفاسقين والعاصين والكافرين حتى يرجعوا إلى أمر الله سبحانه وتعالى.

وعلى الرغم من ذلك فإننا نرى وإلى يومنا هذا أن الناس فيهم الفساد:

﴿ظَهَرَ ٱلْفَسَادُ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ﴾ [الروم: 41]

إذن فهذا كتاب قد توازن في ترهيبه مع ترغيبه:

﴿نَبِّئْ عِبَادِىٓ أَنِّىٓ أَنَا ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ ٱلْعَذَابُ ٱلْأَلِيمُ﴾ [الحجر: 49-50]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.