سورة النساء | حـ 684 | 58 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الأمانة مبدأ إسلامي أساسي ورد في قوله تعالى: "إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها".
- •تشمل الأمانة صوراً متعددة منها الودائع المادية بغض النظر عن دين صاحبها أو علاقته بنا.
- •حفظ الأسرار أمانة، سواء في المهن كالطب والقضاء والإفتاء والتعليم.
- •المجالس بالأمانات، فلا ينبغي نقل ما يقال فيها من أحاديث سيئة عن الآخرين.
- •تمتد الأمانة لتشمل ستر عيوب الميت عند تغسيله.
- •خيانة الأمانة تشمل عدم إتقان العمل، والإرشاد الخاطئ عند الاستشارة.
- •حتى دلالة الطريق بشكل خاطئ تعد خيانة للأمانة.
- •كف الأذى عن الناس من شعب الإيمان ومن أداء الأمانة.
- •العدل مع جميع الناس مرتبط بالأمانة، ويشمل التعامل مع المسلمين وغيرهم.
- •الأمانة والعدل سببان لاطمئنان الناس للمسلمين ودخولهم في الإسلام.
- •المسلم الحق يتصف بالأمانة والعدل في كل تعاملاته.
مقدمة تلاوة آية الأمانة والعدل من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى وهو يعلمنا مقتضيات الاجتماع البشري في مجتمع رباني:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِٓ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]
في هذه الآية، الله:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]
يقرر لنا أسسًا لكل العلاقات، ويتحدث كما عوّدنا القرآن الكريم بطريقة القاعدة الكلية التي تشتمل على صور وجزئيات كثيرة.
معنى الأمانة وتنوع صورها بين الوديعة والسر المهني
ما الأمانة؟ الأمانة قد تكون وديعة أودعها إنسان عندك، وقد يكون هذا الإنسان مؤمنًا وقد يكون غير مؤمن، قد يكون صديقًا وقد يكون عدوًّا، قد يكون صاحب حق عندك وقد يكون أنت صاحب حق عنده، وأطلقه [أي أن الله أطلق الأمر ولم يقيّده بصنف معين من الناس].
وقد تكون ليست الأمانة وديعة، إنما تكون سرًّا قد وُكِلت به من أي إنسان كان؛ فهناك أسرار للمهنة، أسرار للطب، أسرار للقضاء، أسرار للإفتاء، أسرار في التعليم، أسرار وهكذا.
وجوب حفظ أسرار المستفتي والمريض وعدم إفشائها
فمن أتى إليك -وأنت طبيب- فلا تكشف سره ولا مرضه لأحد، ومن استفتاك عن مسألة فلا تجلس تحدث الناس بما يستفتيك فيه هذا الإنسان، تفضح حاله [بذلك].
حتى لو أنه قال [أي المستفتي أذاع سرّه بنفسه]: أنت لا تقول، حتى لو أنه أذاع، أنت لا تُذيع؛ أمانة. ولذلك قالوا: المجالس بالأمانات؛ فإذا ذكر عندك شخصٌ شخصًا آخر بكلام سيء فلا تنقله؛ لأن هذه أمانة.
حفظ أسرار الميت عند غسله من صور أداء الأمانة
حتى أنهم [أي العلماء] ذهبوا إلى أبعد من ذلك في الاجتماع البشري، وهو أن الإنسان لو غسل ميتًا فإنه يجب عليه ألا يتحدث بما رآه في هذا الغسل. أي أن هذه قطعة إنسانية لطيفة جدًّا، ولكنها أيضًا تدخل في الأمانات.
إذ إن الأمانة قد تعظم حتى تكون من أمانات الأمة، وقد تكون على مستوى فردي لشخص قد مات؛ هو قد لا يتأثر في حياته الدنيا، ولكن أنت أمام ربك وأمام الناس لم تقدر أن تصون السر أو أن تصون الأمانة، أو أن تؤدي الأمانة إلى أهلها.
سعة مفهوم الأمانة وأن ضدها الخيانة والعامل غير المتقن خائن
فكلمة أمانة كلمة واسعة، أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نحافظ على الأمانات، وضد الأمانة الخيانة -والعياذ بالله تعالى-.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]
العامل الذي لا يتقن صنعته هو خائن لا يؤدي الأمانة إلى أهلها. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:
«المستشار مؤتمن»
فإذا استشارك أحدهم ولم تكن قادرًا على الاستشارة فلتعتذر؛ فإذا أنت دللته دلالة غير صحيحة فأنت مؤتمن على هذا، وتكون قد خنت الأمانة إذا ما قصّرت فيها.
دلالة الطريق من الأمانات وخيانة من يضلل السائل عن العنوان
حتى أنهم [أي العلماء] عدّوا من الأمانات المسترشد لك في الطريق؛ أي أن أحدهم يسألك عن مكان عنوان معين، فإن كنت لا تعرف؛ فقل: لا أعرف. أما أن تقول له: نعم، امشِ هكذا مباشرة حتى تجد عمارة، تنعطف من عند بائع الفول وهكذا؛ وتظل تتيه، فهذه خيانة للأمانة.
يتغنّى بها الناس ولا يلتفتون إلى هذا المعنى: أنه هكذا قد خانه، إنما سخر منه، وضحك عليه، وضحك الناس من هذه الفكاهة، من العمدة عند صلاح جاهين في أوبريت الليلة الكبيرة -أوبريت غنائي تأليف صلاح جاهين-، هكذا لا ينفع هذا الكلام.
دلالة الطريق صدقة وإرشاد الضال من أداء الأمانة
نحن هنا عكس ذلك [أي عكس السخرية والتضليل]، يقول [الله تعالى]:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]
حتى دلالة الطريق عدّها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخير ومن الصدقة، قال:
«تُرشد ضالًّا»
في الحديث الطويل الذي هو: «فإن لم يكن في صاحبي خير يا رسول الله؟» قال:
«سبحان الله، أما في صاحبك من خير؟ فليُرشد ضالًّا»
حتى قال له:
«كُفَّ أذاك عن الناس»
فكفّ الأذى عن الناس من أداء الأمانة إلى أهلها.
الأمانة تبدأ بقضايا الأمة وتنتهي بإماطة الأذى عن الطريق
فالأمانة تبدأ بأمانة تحمّل مسؤولية قضايا الأمة، وتنتهي بإماطة الأذى عن طريق الناس، وإماطة الأذى عن طريق الناس من شعب الإيمان.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ [النساء: 58]
أمرٌ صريح، وهو ليس فعل أمر يُستفاد منه الوجوب من عدمه، وكذلك، وهو يُستفاد منه الوجوب أو يُستفاد منه الندب أبدًا [بل هو أمر قاطع]، هذا:
﴿يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ﴾ [النساء: 58]
ليست الأمانة الوحيدة، بل الأمانات كلها يجب أن تكون أمينًا فيها. وهكذا كانت صفة رسول الله، كانت صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمانة.
العدل مع جميع الناس لا المسلمين فقط في الحكم بينهم
﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِٱلْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]
فيكون الأول: الأمانة، والثاني: العدل.
ومع مَن إذن؟ وإذا حكمتم بين الذين آمنوا؟ لا!
﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ﴾ [النساء: 58]
أبدًا (لم يقل الله ذلك [أي لم يقيّدها بالمؤمنين])، هذا بين الناس [جميعًا]. إذن أقرّ [الله تعالى] مبدأ العدالة مع العالمين:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
المسلم الأمين العادل يطمئن إليه الناس فيدخلون في الإسلام
إذن، هذا هو المسلم، هذا الذي يطمئن إليه الناس؛ لأنه أمين حتى مع غير المسلمين، ولأنه عادل حتى مع غير المسلمين.
الإسلام علّمنا أن نكون هكذا، أن نكون بحيث يطمئن إلينا الناس. وهذا -الاطمئنان- هو الذي حدث عندما نزل المسلمون في شرق آسيا وفي أفريقيا وفي أوروبا؛ نزلوا فاطمأن إليهم الناس فأسلموا، ودخلوا في دين الله أفواجًا من التجار الذين اتصفوا بالصدق والأمانة والعدل.
«والله لو أن فاطمة بنت محمد قد سرقت لقطع محمد يدها» -عليها السلام-
جمال موعظة الله بالأمانة والعدل وأثرها في فتح العالم
﴿بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِٱلْعَدْلِ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِٓ﴾ [النساء: 58]
أي: ما أجمل لو عرفتم بماذا يعظكم! هذه موعظة جليلة، أنزلوها منزلتها؛ لأنها هي التي سوف تفتح عليكم العالم، وسوف تحسن علاقاتكم بالآخرين.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]
دعاء ختامي بأن يجعلنا الله من الأمناء العادلين
فاللهم اجعلنا من الأمناء العادلين يا رب العالمين، ومكّن لنا في الأرض على هذا [على الأمانة والعدل] حتى نبلّغ عنك دينك، ولا نكون حجابًا بينك وبين خلقك.
فاللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا، اللهم اغفر لنا. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
