سورة النساء | حـ 685 | 59 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تتأسس الآية الكريمة "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" لبناء نظام اجتماعي متكامل.
- •الحياة الدنيا قائمة على الالتزام وليس التفلت، خلافاً لما دعت إليه بعض مذاهب الفلسفة من حرية مطلقة.
- •التكليف والالتزام أساس العمل الإسلامي حتى مع وجود المشقة، تحقيقاً لطاعة الله وعمارة الكون.
- •طاعة الرسول ﷺ هي الباب الوحيد للوصول إلى مرضاة الله تعالى.
- •لا إكراه في الدين، لكن المسلم ملزم بطاعة الله ورسوله بعد إعلان إسلامه.
- •من يرتد عن دينه يخرج من محبة الله تعالى، ولا يجوز الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض.
- •على المستوى الفردي تكون طاعة الله بالعبادات كالصلاة والصوم والحج.
- •العبادات مرتبطة بالنية التي لا يطلع عليها إلا الله تعالى.
- •هناك مستويات أخرى للطاعة على مستوى الجماعة والدولة والأمة.
افتتاح الدرس وتلاوة آية الطاعة من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]
الآية تؤسس للنظام الاجتماعي وتبدأ بالالتزام الفردي بطاعة الله
هذه الآية تستمر في بناء النظام الاجتماعي وتؤسس للاجتماع البشري وتتحدث عن درجات النظام.
ماذا نفعل [لتحقيق هذا النظام]؟ فنبدأ على المستوى الفردي؛ من أجل أن نلتزم:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ﴾ [النساء: 59]
إذن فهذه الحياة الدنيا أساسًا قد بُنيت في اجتماعها البشري على الالتزام وليس على التفلت، ليس أن يعيش كل أحد منا كما يريد تبعًا لهواه، محققًا لشهواته ورغباته وما يخطر في باله.
الفرق بين الحرية الحقيقية والتفلت في مذاهب الفلسفة والأخلاق
وهذا [التفلت] قد دعت إليه كثير من مذاهب الفلسفة والأخلاق حتى لو كانت أخلاقًا رديئة، إلا أن مذاهب الفلسفة وما أسموه بالأخلاق -يعني ما تخلّقوا به ولو كان رديئًا- دعا إلى هذه الحرية وهذا التفلت.
الحرية التي ليست هي الوجه الآخر للمسؤولية، والتي يصح لنا في اللغة أن نسميها بالتفلت لا بالحرية؛ فإن اللغة تعني بحرية الإنسان عدم اندراجه تحت الرق والتحكم والهيمنة.
ولكن اختلطت المفاهيم مع المصطلحات فضلّ كثير من الناس من هذا الباب.
الحياة مبنية على التكليف والالتزام لا على التفلت ولو فيه مشقة
وعلى كل حال فإن الأمر ليس مبنيًا على التفلت، بل هو مبني على التكليف والالتزام، حتى ولو كان في التكليف مشقة؛ لأن تعريف التكليف طلبُ ما فيه مشقة، أو الإلزام بما فيه مشقة.
وسواء كان طلبًا فيدخل فيه المندوب، وسواء كان إلزامًا فلا يدخل فيه المندوب، فإن فيه مشقة. ولو كان فيه مشقة فإننا نفعل هذه المشقة طاعةً لله وامتثالًا لأمره، طلبًا لعبادته ولعمارة كونه ولتزكية أنفسنا أمامه سبحانه وتعالى ثم أمام الناس.
طاعة الله كلمة فارقة بين المتمسك بالدين ومن همّش الله من حياته
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ﴾ [النساء: 59]
كلمة فارقة بين من تمسك بالأديان بأي دين كان ومن لم يتمسك؛ فإن من لم يتمسك نحّى وهمّش وأخرج الله جل جلاله من منظومة حياته، وعاش كما أراد وحقق بعض النجاح؛ لأنه يعمل في كون الكريم الذي خلقه.
والذي [الله سبحانه وتعالى] ينظر إليه على أنه من صنعته، والذي يرحمه ويصبر عليه ويدعوه من خلال فطرته التي خلقها، ومن خلال آياته التي يُريه إياها في كونه وفي حياته إلى أن يعود إليه.
مصير من أعرض عن الله بين الهداية والغواية وحيلولة الله بين المرء وقلبه
فإما أن يهتدي [ذلك المُعرض] إن أراد الله هدايته -يهدي من يشاء- وإما أن يظل على حاله ويكون سادرًا في غوايته، ولا يستطيع أن يخرج من النار التي أدخل نفسه فيها.
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
يهدي من يشاء ويُضل من يشاء، ثم:
﴿وَٱعْلَمُوٓا أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]
طاعة الرسول ﷺ هي الباب الوحيد للوصول إلى مرضاة الله تعالى
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ﴾ [النساء: 59]
لكنه أيضًا لما أرسل سيد الأكوان خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم، جعله الباب الوحيد لرب العالمين، فقال:
﴿وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]
وطاعة الرسول هي التي توصل إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى.
لا إكراه في الدين والإسلام يريد مؤمنين لا منافقين
لم يُكرِه أحدًا على الإسلام؛ لأنه يريد مؤمنين لا منافقين. ولو أظهر واحد من الناس الإسلام بلسانه وأضمر في قلبه رفضه، فإنه يكون منافقًا.
﴿إِنَّ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء: 145]
ولا نريد أن نُربّي المنافقين في العالم، ونحن ننعى عليهم ونؤكد مرة بعد مرة أننا لا نريدهم. وإنما طمأنّا أولئك الذين لا يريدون أن يؤمنوا بالله ورسوله أن:
﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]
فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، أنه:
﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ﴾ [البقرة: 256]
من أعلن إسلامه وجب عليه الثبات والردة فعل يبغضه الله تعالى
أما وأنه قد أعلن إسلامه، فإن الله سبحانه وتعالى يؤكد عليه ألا يعود في الكفر، وإلا فإنها معصية شديدة وخروج عن النطاق.
ولذلك يقول [الله تعالى]:
﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِى ٱللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُٓ﴾ [المائدة: 54]
أي أن هذا [الارتداد] فعلٌ يبغضه الله ويكرهه الله سبحانه وتعالى، ويُخرجه من محبة الله سبحانه وتعالى.
﴿مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ﴾ [النساء: 143]
فنعى الله عليهم:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 85]
وجوب طاعة الله ورسوله على المسلم الذي منّ الله عليه بالهداية
أمر واضح لا مِرية فيه: لا إكراه في الدين، ولكن المسلم ينبغي عليه -وقد منّ الله عليه بالهداية- أن يؤمن بالله وبرسوله، فواجب عليه أن يطيع الله ورسوله.
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]
العبادة على المستوى الفردي سرّها بين العبد وربه ولا يطلع عليها إلا الله
على المستوى الفردي وأنا أسير في حياتي أريد أن أطيع الله، فأصلي وأصوم، ولا يعلم سر الصيام إلا الله؛ فالصوم خاص بيني وبين الله. والحج إلى البيت الحرام وكل العبادات تحتاج إلى أمر خفي وهو النية التي لا يطلع عليها أحد؛ لأن النية محلها القلب.
إذن فالعبادة وصحتها لا يطلع عليها إلا الله، حتى لو رأيتك تصلي، فمن الذي قال إنك متوضئ؟ لا يعلم ذلك إلا الله، كنت أنت تعلم ويعلمه الله. وأنت أمامي لا تأكل ولا تشرب، من الذي قال إنك صائم؟ لا يعلم ذلك إلا الله.
إذن فالعبادة لا يعلمها إلا الله، وهذا على مستوى الفرد.
ما يخص مستوى الجماعة والدولة والأمة سيأتي في حلقة قادمة
فما الذي على مستوى الجماعة فالدولة فالأمة؟ سنراه في حلقة قادمة إن شاء الله.
فنستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
