سورة النساء | حـ 687 | 59 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 687 | 59 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تفسير "أولي الأمر" في الآية الكريمة يشمل العلماء لأنهم أولياء معرفة طاعة الله ورسوله، حيث يحتاج الناس لمتخصصين يفهمون كلام الله ورسوله.
  • يتطلب فهم الدين الإلمام باللغة العربية ومعرفة المقاصد الشرعية والإجماع والأحكام وفهم مراد الله من التكليف.
  • مقاصد الشارع هي العبادة والعمارة والتزكية، ومقاصد المكلفين حفظ النفس والعقل والدين والكرامة والنسل والمال.
  • الجهاد مفهوم شامل يشمل مجاهدة النفس ومراقبة الحكام والأمر بالمعروف والحج للمرأة، وليس مقتصراً على القتال.
  • حذر النبي ﷺ من الذين يختزلون الدين ويفسدون ما أراد الله إصلاحه.
  • "أولي الأمر" يشمل أيضاً الحكام وكل من له سلطة ومسؤولية، وليس فقط رئيس الدولة.
  • الإسلام لا يحبذ الفوضى والخروج عن النظام، فلا إيمان دون أمن، والحرية المطلقة تنفس عن الرغبات ولا تبني المجتمعات.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة الدرس وتفسير أولي الأمر بالعلماء في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء مع قوله تعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]

وقفنا عند كلمة أولي الأمر، فسّرها المفسرون أولًا بـالعلماء؛ لأنهم أولياء الأمور في معرفة طاعة الله وطاعة الرسول. كيف نطيع الله وكيف نطيع الرسول؟ سؤال يطرح نفسه، فيحتاج إلى أن نسأل أهل الذكر، وربنا يقول:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]

ضرورة تخصص طائفة من الناس في فهم الشريعة وعلومها

يحتاج [الأمر] إلى أن يتخصص بعض الناس حتى يعلموا كلام الله وكلام رسول الله وما يقتضيه من أحكام ومن توجيهات، ومن إدراك للسنن الإلهية وإعمال للمبادئ القرآنية وتحقيق للمقاصد الشرعية وضبط للقواعد الفقهية، ومنهج حياة يرشدنا إليه العلماء.

قال الله تعالى:

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122]

إذن هناك طائفة تتخصص في الإدراك، وهذا الإدراك يحتاج إلى علم مختص، وهذا العلم يبدأ أولًا بعلم تلك اللغة التي أنزل الله بها القرآن، قرآنًا عربيًا غير ذي عوج.

شروط فهم كتاب الله من إتقان العربية ومعرفة المقاصد الشرعية

إذ لا بد من العربية أن نفهمها ونتقنها ونعرف أساليبها ومبناها ومعناها، ثم بعد ذلك نقرأ كتاب الله. ولا بد من معرفة المقاصد الشرعية، ولا بد من معرفة مجمل الشريعة وإجماع العلماء وهوية الأمر.

ولا بد من معرفة المقاصد والأغراض التي يتغيّاها ذلك الشرع من مراد الله في التكليف ومن مراده من المكلفين. فمراد الله [من التكليف] هو العبادة والعمارة والتزكية، وأراد من المكلفين أن يحفظوا على أنفسهم: نفوسهم وعقولهم ودينهم وكرامتهم وأعراضهم ونسلهم، وأن يحافظوا على ملكهم فيما بينهم.

فهذه مقاصد المُكَلِّف [وهو الله سبحانه وتعالى] وهذه مقاصد المُكَلَّف [وهو العبد].

وجوب الإيمان بالكتاب كله وعدم اجتزاء بعضه دون بعض

فلا بد أن يعرف كل واحد هذه الصورة الإجمالية حتى يقرأ كتاب الله ويطلب منه الهداية ويؤمن به كله، لا يأخذ بعضه ولا يجزّئه ولا يقف عندما لا يحسن الوقوف عليه.

فلا يجتزئ الجهاد في القتال، ولا يجتزئ القتال في القتل، ولا يجتزئ القتل في الباطل، ثم بعد ذلك يطلق عليه جهادًا. وربنا سبحانه وتعالى سمّى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جهادًا، وسمّى مراقبة الحكام في حكمهم جهادًا، وسمّى الحج للمرأة جهادًا، وسمّى مجاهدة النفس جهادًا.

شمولية مفهوم الجهاد في القرآن والتحذير من اختزاله

قال الله تعالى:

﴿وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ فَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعْتَصِمُوا بِٱللَّهِ هُوَ مَوْلَىٰكُمْ فَنِعْمَ ٱلْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ ٱلنَّصِيرُ﴾ [الحج: 78]

وقال النبي ﷺ:

«رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»

إذن اختزال [مفهوم الجهاد في القتال فقط] هو إيمان ببعض الكتاب وكفر ببعضه الآخر.

تحذير النبي من أحداث الأسنان سفهاء الأحلام الذين يعكرون على الدين

ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم يحذّرنا من أحداث الأسنان سفهاء الأحلام الذين يقولون من كلام خير البرية، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، من قتلهم كان أولى بالله منهم.

لماذا؟ لأنهم يعكّرون على الدين وصفائه، ويجعلون أنفسهم حجابًا بين الخلق والخالق، ويفسدون ما أراد الله إصلاحه. ثم إذا تكلمنا معهم قالوا: إنما نحن مصلحون.

فهؤلاء عدّهم الله سبحانه وتعالى كطائفة من طوائف المنافقين الكثيرة التي نعى الله عليها وحذّر من فسادها. ولذلك فقد جمعنا ونظّمنا [الله بقوله]:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]

التفسير الثاني لأولي الأمر بالحكام وشمولية مفهوم الحاكم

أما الرأي الثاني فإن أولي الأمر هم الحكام الذين بأيديهم القرار الإداري والاقتصادي والسياسي والاجتماعي.

ولذلك عندما نذكر كلمة الحكام قد ينصرف الأمر في أذهان بعضهم إلى رئيس الدولة، والأمر ليس كذلك؛ لأن الله لم يتحدث عن فرد فقال "ولي الأمر"، إنما قال "أولي الأمر". ومعنى هذا أن كل من كان له أمر ونهي وسلطة ومسؤولية فهو من أولياء الأمور الذين أُنيطت بهم الأمانة في أعناقهم، يُسألون عنها في الدنيا ويُسألون عنها يوم القيامة.

فإن قصّر أحدهم فهو مؤاخَذ أمام الأمة وأمام الناس، وهو معاقَب على تقصيره أمام الله، فليتّقِ اللهَ كلُّ من طلب السلطة.

من طلب السلطة لم يُعَن عليها ومن أوكلت إليه أعانه الله

ولذلك فمن أُوكلت إليه [السلطة] من غير طلب أُعين عليها من عند الله، ومن طلبها فإنه لا يُعان عليها، والله سبحانه وتعالى يتركه مع نفسه.

ومن دعاء الصالحين: اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك؛ لأن الله لو تركنا لأنفسنا طرفة عين فنينا وذهبنا؛ لأننا نقوم في هذه الدنيا بحول الله وقوته، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فإذا سحب الإمداد ذهب الاستعداد وذهبنا، يعني لسنا بأموات، لا، أموات يبقى جسدنا باقيًا، جسدنا هذا سيفنى؛ لأن الله قد ترك عنه الخلق؛ لأننا ما زلنا نُخلق كل يوم.

ماذا لو فسد أولو الأمر وموقف الإسلام من الفوضى والخروج عن النظام

أولي الأمر ماذا لو فسدوا؟ سؤال أجاب عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجابت عنه الآية. ماذا لو فسد ولي الأمر وماذا نفعل؟ لا يحب الإسلام الهرج والمرج والكلام الذي فيه قلة الحياء والأدب والخروج عن النظام والاستقرار والأمن؛ فإنه لا إيمان دون أمن.

ولذلك ما نراه قد شاع من فوضى ودعوة إلى التفلّت تحت عنوان الحرية، والانطلاق تحت عنوان الإبداع، إنما يصلح للتنفيس عن الرغبات لا لبناء المجتمعات.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.