سورة النساء | حـ 689 | 59 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 689 | 59 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • المقصود بأولي الأمر في قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ هم العلماء والحكام معاً.
  • في بداية الإسلام كان الحكام علماء والعلماء حكاماً، ثم تعذر الجمع بين العلوم المختلفة فأصبح لكل مجال رجاله.
  • واجه عمر رضي الله عنه مشكلة الانفصال بين القوة والتقوى قائلاً: "اللهم إني أشكو إليك عجز التقي وفجور القوي".
  • وضع الرجل المناسب في المكان المناسب ضرورة للنجاح، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف.
  • العلم ليس محصوراً في الشريعة فقط بل يشمل الصحة والعسكرية والسياسة والاجتماع وغيرها.
  • أولو الأمر متعددون وليسوا فرداً واحداً، فإذا انفرد حاكم واحد بالسلطة أصبح دكتاتوراً.
  • عند التنازع يكون الرد إلى الله ورسوله وفق نظام سابق يتجاوز الزمان والمكان.
  • يجب جعل الإيمان بالله واليوم الآخر سقفاً للنظام العام، فلا يجوز إباحة ما حرمه الله كالإجهاض والزنا والشذوذ.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الطاعة من سورة النساء واختلاف العلماء في معنى أولي الأمر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]

بعضهم يقول إن أولي الأمر هم العلماء، وبعضهم يقول إنهم الحكام، وبعضهم يقول هم العلماء مع الحكام؛ فبالعلم والتطبيق يتم الأمر.

انفصال العلم عن الحكم وتعذر الجمع بين التخصصات في العصور اللاحقة

في بداية الأمر كان الحكام علماء والعلماء حكامًا. بعد ذلك ازدادت العلوم والمعلومات، بحيث أن الجمع بين العلم اللغوي والعلم الشرعي والعلم العسكري والعلم السياسي أصبح متعذرًا، وأصبح كل مجال له رجال.

ولذلك رأينا من يصلح للإدارة والحكم وقد لا يصلح للعلم الشرعي، ومن يصلح للعلم الشرعي ولا يصلح للإدارة والحكم.

شكوى عمر بن الخطاب من عجز التقي وفجور القوي وأثر ذلك على الحكم

وكان عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه قد بدأ يستشعر هذا [الانفصال]، وأن هناك انفصالًا يحدث بين الصالح للحكم والصالح للعلم، والصالح للحكم والصالح للتقوى، فقال:

«اللهم إني أشكو إليك عجز التقي وفجور القوي»

أي عندما نجد شخصًا قويًا قادرًا نجده أنه ليس ملتزمًا قليلًا هكذا، ولكن هو هذا الذي يصلح لأن يقود الجيوش، لأن يضبط الأمن، لأن يأخذ بالاقتصاد.

خطورة تولية غير المؤهلين وضرورة وضع الرجل المناسب في المكان المناسب

وبعد ذلك أقول: لا، هذا أنا أريد واحدًا تقيًا؟ تخرب الدنيا! فيبقى هكذا تخرب الدنيا؛ تأتي بالتقي تُهزم في الجيش، تأتي بالتقي تتحول الشوارع إلى دماء، تأتي بالتقي يتحول الحكم إلى فساد والإدارة إلى اختلاف.

قال: طيب، وبعد ذلك قال: لا، هذا لا بد من الرجل المناسب في المكان المناسب. أنا لست أريد خيالات، أنا أريد واقعًا ننجح فيه، أريد قوة.

قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ عند الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير»

الرد على من يحصر الحكم في خريجي الشريعة دون غيرهم من التخصصات

بعض الناس لا يفهمون هكذا؛ بعض الناس يفهمون أننا لن نكون مسلمين إلا إذا تولى علماء الدين الشرعيون تحديدًا، أي من كان خريج كلية الشريعة والقانون، إدارة الدولة والجيش والشرطة والقضاء والصحة والمياه، وإلا فلا!

فاهمون هكذا؟ أفهموهم هكذا، وهذا أمر عجيب غريب لم يقل به أحد ممن منّ الله عليه [بالعلم والفهم]، لا كلمة أخرى لئلا ينزعج [أحد].

شمولية مفهوم أولي الأمر وعدم حصر العلم في الشريعة وحدها

شيء غريب جدًا! إطاعة الله وإطاعة رسوله وإطاعة ولي الأمر سواء من العلماء أو من الحكام هي منهج [الإسلام في الحكم والإدارة].

موضوع القضية الثانية: حصر مفهوم العلم في الشرع. من قال لك إن الشرع بالكتاب والسنة والحديث والسيرة واللغة وكذا إلى آخره هو العلم فقط؟ هذا العلم، وفي الصحة والعلم أيضًا في المياه، والعلم في العسكر، والعلم في السياسة، والعلم في الاجتماع.

فنحن ونحن نقول إن ولي الأمر من العلماء يعني العلماء في كل التخصصات وليس في الشريعة وحدها، وعندما نقول الحكام نعني الحكام في كل المراتب وليس في رئاسة الدولة وحدها، فانتبه.

تعدد أولي الأمر ورفض الدكتاتورية ورد التنازع إلى الله والرسول

انظر: ولي الأمر، ولكن هنا يقول:

﴿وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]

لأنهم سوف يتعددون، وإذا انفرد الحاكم فكان وحده المسيطر فذلك دكتاتور؛ إذن لا يصلح ذلك. قل: أولي الأمر، ذلك نظام.

ثم:

﴿فَإِن تَنَـٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ﴾ [النساء: 59]

كيف يكون الرد؟ لا بد من نظام سابق يتجاوز الزمان والمكان [وهو الكتاب والسنة].

الفرق بين الإسلام وغيره من النظم في ربط الحكم بالإيمان بالله واليوم الآخر

﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ﴾ [النساء: 59]

ما علاقة الإيمان بالله واليوم الآخر بالرد إلى الله ورسوله؟ اعلم أن الفرق بين الإسلام وغيره من النظم هو هذه الكلمة: ﴿إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.

هل تؤمنون أن الله قد أنزل الكتب وأرسل الرسل وأوحى بالتكليف، وجعل يومًا آخر تعودون فيه إلى الله للحساب للعقاب والثواب؟ إن كنتم تؤمنون بهذا فاجعلوه سقفًا لنظامكم العام.

حدود النظام الإسلامي وما لا يجوز إباحته من المحرمات في التشريع

لا يجوز أن ننشئ قانونًا نبيح به الإجهاض وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، لا يجوز أن ننشئ قانونًا في نظامنا الإسلامي يبيح الزنا؛ لأن الزنا هذا محرم في جميع الديانات.

لا يجوز أن نبيح في نظامنا الشذوذ، لا يجوز أن نبيح في نظامنا وهكذا في حدود معينة، لا يجوز أن نبيح ازدراء الأديان والعدوان عليها والإلحاد المدمر وتقويض نظم المجتمع والعبثية والفوضوية التي تؤدي إلى الدمار.

لا يجوز أن نبيح هذا، لا يجوز أن نبيح الانتحار، لا يجوز!

جعل الإيمان بالله واليوم الآخر سقفًا مانعًا من تجاوز حدود الشرع

فاجعلوا إيمانكم بالله تكليفًا ووحيًا، وإيمانكم باليوم الآخر ثوابًا وعقابًا، مانعًا لكم من أن تتعدوا ذلك الحد. فإذا أردتم أن تردوا فردوا إلى الله ورسوله، لا إلى الأهواء.

﴿ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]

يعني أخير؛ لأن الخير هنا أفعل تفضيل، وأحسن تأويلًا أفعل تفضيل ثانٍ، يعني هو عطف أحسن على خير. ما هي؟ يعني الاثنان أفعل تفضيل: هذا أخير وأحسن تأويل لكم في الدنيا وفي الآخرة؛ خير لكم في الدنيا وأحسن لكم في الآخرة.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.