سورة النساء | حـ 690 | 60 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 690 | 60 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تشير الآية في سورة النساء لطائفة تزعم الإيمان بالله ولكنها تسعى للتحاكم إلى الطاغوت رغم أمرها بالكفر به.
  • عرفت البشرية عبر التاريخ أنماطاً مختلفة من الطواغيت كالزعماء الديكتاتوريين مثل فرعون الذي قال "أنا ربكم الأعلى".
  • تمثلت الطواغيت أيضاً في سلطان الطبقات والإقطاع والنبلاء الذين امتلكوا الأرض ومن عليها واعتبروا دماءهم أزرق.
  • عرفت أوروبا أنماطاً من التصرفات الظالمة مثل حق ليلة الدخلة للملاك والإقطاعيين.
  • جاء الإسلام ليخرج الناس من عبادة الطواغيت إلى عبادة الله وحده.
  • تنوعت الأنظمة البشرية بين سلطان الاختيار في برلمانات منتخبة، وسلطان الأسر الحاكمة.
  • القرآن يهدف لإخراج الناس من ظلم أنفسهم إلى سقف وضعه الله يحدد المصلحة والمنفعة.
  • غاية الشرع أن يعيش الإنسان عبداً ربانياً يعبد الله كأنه يراه فيحقق مراد الله في كونه.
  • من يتحاكم إلى الطاغوت يضله الشيطان ضلالاً بعيداً فيفقد لغة التواصل مع المؤمنين الحقيقيين.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة تلاوة آية التحاكم إلى الطاغوت من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 60]

أنماط الطغيان عبر التاريخ من الديكتاتورية إلى الإقطاع

هناك طائفة من الناس تريد أن يكون المرجع إلى أمر آخر غير الله وغير الرسول. مرةً ظهرت على البشرية أعراض اتباع الزعيم الديكتاتور، وذهبوا به كل مذهب إلى أن بعضهم ألّهوه، وفرعون قال:

﴿أَنَا رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ﴾ [النازعات: 24]

ومرةً يتبعون سلطان الطبقة، ومرةً يتبعون طبقة الإقطاع والنبلاء؛ لهم دمٌ غير دم البشر، دمهم يسمونه الدم الأزرق. يملكون الأرض ومن عليها، ومن يعمل بها يُسمّى عبد الأرض، ويمتلك المالك هذا فيمتلك كل شيء.

عرفت أوروبا حق ليلة الدخلة؛ أن الملك أو الإقطاعي يدخل بالعروس قبل زوجها، لأنها هي وزوجها ملكٌ له.

مجيء الإسلام لتحرير البشرية من عبادة الطواغيت إلى عبادة الله

عرفت البشرية أنماطًا من التصرفات الظالمة، وجاء الإسلام ليخرجهم من عبادة الطاغوت إلى عبادة الرب سبحانه وتعالى.

والله لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، ليس شخصًا معنا يعيش هنا، بل إنه هو رب السماوات والأرض، رب العرش العظيم:

﴿ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ﴾ [طه: 5]

ما هذا؟ هذه عظمة أخرى! فيقول [الله سبحانه وتعالى]: لا، اتركوا طواغيتكم فهم لا يساوون شيئًا.

ظلم الأنظمة الطبقية سواء كانت للأغنياء أو للفقراء

وتارةً يلتزمون بقولٍ إن هناك طبقة هي طبقة العمال، وانظر هذه طبقة السادة وهذه طبقة الأدنى؛ أدنى الناس في المجتمع، وهؤلاء أعلى الناس في المجتمع. تارةً هنا وتارةً هناك، وهذا كله ظلم؛ فهذا ظلمٌ وذاك ظلم، لأن الأغنياء هنا ظلموا الفقراء، والفقراء هنا ظلموا الأغنياء.

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: 49]

﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَـٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [البقرة: 57]

أنظمة الحكم البشرية بين البرلمانات والأسر الحاكمة ومجيء القرآن بالمنهج الرباني

ومرةً يتحدثون عن سلطان بالاختيار؛ يبقى في برلمان منتخب، وهذا الانتخاب هو الذي يحدد ما الشرع وما المرجع إليه، وعليه أغلب العالم الآن. وفي أنظمة أخرى جعلوا الأسرة هي الحاكمة كما شاع في أنظمة الشرق.

وجاء القرآن ليخرج الناس من كل ذلك إلى سقف قد وضعه الله سبحانه وتعالى؛ حدّد فيه المصلحة والمنفعة، وبيّن فيه المضرة والمفسدة، وأمرنا بهذا [بالمصلحة] ونهانا عن هذا [عن المفسدة]، وبيّن لنا الطريق السوي المستقيم في مجمل الأمر؛ حيث تتفق البشرية ولا ينالها ضرر من ذلك الاتفاق والالتزام إلا مقاومة الشهوات والرغبات والهوى فقط.

غاية الإنسان أن يعيش عبدًا ربانيًا يعبد الله كأنه يراه

أما أنه [الالتزام بشرع الله] ينالها [البشرية] في رفاهيتها وفي عيشها وفي عمارتها وفي علاقتها، لا يكون أذى أبدًا. إنما الأمر هو أن يعيش الإنسان عبدًا ربانيًا يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، أن يعبد الله سبحانه وتعالى ليحقق مراده في كونه، هذا هو كل شيء.

تفسير آية التحاكم إلى الطاغوت وإيمان المنافقين بالرسل مع مخالفتهم

فيقول الله:

﴿أَلَمْ تَرَ﴾ [النساء: 60]

يعني أخبرني - ذكرناها مرات كثيرة -

﴿إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: 60]

إذن هم مؤمنون بالله وبالتكليف وباليوم الآخر.

﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [النساء: 60]

إذن كانوا يؤمنون بأمة واحدة:

﴿وَإِنَّ هَـٰذِهِٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52]

﴿إِنَّ هَـٰذِهِٓ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَٰحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَٱعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]

سبيل العبادة وسبيل التقوى.

﴿وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [النساء: 60]

يعني يؤمنون أيضًا بجميع الرسل المتتابعين.

﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا إِلَى ٱلطَّـٰغُوتِ﴾ [النساء: 60]

إلى خارج [شريعة] الله ورسوله.

﴿وَقَدْ أُمِرُوٓا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَـٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَـٰلًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 60]

مثال من سار في الاتجاه الخاطئ ورفض الاعتراف بخطئه

يعني حين تأتي لتكلمهم [من ضلّوا عن شرع الله] تجد أن اللغة قد فُقدت بينك وبينهم، تجدهم بعيدين جدًا. لماذا؟ لأنهم قد رتّبوا ترتيبات متتالية في غير الاتجاه.

شخص يريد أن يذهب إلى الإسكندرية وعرف أن الإسكندرية يصلونها بعد مائتي كيلومتر، فقرر أن يمشي مائتي كيلومتر أخرى، ولكن في الاتجاه الصحيح [المعاكس]؛ بدلًا من أن يذهب شمالًا ذهب جنوبًا، فوجد نفسه في مدينة أخرى.

فأصرّ أنها الإسكندرية، فقالوا له: لا، ليست هذه الإسكندرية. فقال: كيف وقد مشيت مائتي كيلومتر؟ أأترك مائتي كيلومتر؟ يعني كل عملي هذا باطل؟ أأنا أحمق إذن؟ حسنًا، إذا كنت أنا أحمق، فماذا إذن؟ هذه مدينة وهكذا.

قصة اكتشاف أمريكا وتسمية سكانها بالهنود الحمر خطأً والخاتمة

وهذا حصل على فكرة [في الواقع التاريخي]؛ فساروا هكذا لكي يذهبوا إلى الهند، فوجدوا أمريكا، فوجدوا أناسًا فيها فأطلقوا عليهم اسم الهنود الحمر.

هذه أيضًا هي الهند يا أخي؟ هذه ليست الهند! هذه الهند من الناحية الأخرى. لا، هذه هي، هذه الناحية الأخرى. قال: لا، إذن فمن هؤلاء؟ قال: الهنود الحمر. وهكذا.

فنحن رأينا العجب العجاب، فربنا يمنحنا الصبر كما أنزل البلاء. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.