سورة النساء | حـ 692 | 62 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 692 | 62 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص الآية الكريمة "فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا".
  • رفض المنافقين للرجوع إلى حكم الله ورسوله يؤدي إلى استمرار النزاع وانتشار الفوضى.
  • فقدان المعيار والمقياس الذي وضعه الله يسبب الاضطراب والخلاف والهرج والمرج.
  • يضرب مثالاً بالمتر كمقياس ثابت، فإذا اختلفت المقاييس عند الناس حدثت الفوضى والمشاكل.
  • الرد إلى الله ورسوله هو المعيار الصحيح الذي يجب الرجوع إليه لتستقيم الحياة.
  • المصائب التي تصيب الناس سببها خروجهم عن هذا المعيار الإلهي.
  • عندما تقع المصيبة، يأتي المخالفون معتذرين ويحلفون أنهم أرادوا الإحسان والتوفيق.
  • النتيجة الحتمية للخروج عن منهج الله هي الفساد والاضطراب.
  • على المسلمين الرجوع إلى الله والفرار إليه لتحقيق الاستقرار والخير.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية رفض المنافقين لحكم الله من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: 62]

أي عندما يرفض المنافقون حكم الله، أو يرفض الناس الرجوع إلى الله وإلى الرسول؛ فإنهم حينئذٍ سوف يستمرون في النزاع؛ لأن المعيار الذي وضعه الله سبحانه وتعالى لنقيس عليه الأعمال قد فُقِد.

فقدان المعيار الإلهي يؤدي إلى الفوضى والاضطراب والنزاع

وحينما يُفقَد المعيار نصل إلى حالة الفوضى دائمًا. إذا ما نُزِع المعيار فقدنا المقياس الذي نقيس به، وإذا فقدنا المقياس اضطربنا واختلفنا فاستمر النزاع.

وإذا حدث ذلك [أي استمرار النزاع] فقدنا أصول التعامل، فإذا حصل ذلك حصل الهرج والمرج والخصام والمصائب.

ما المعيار؟ ما المقياس؟ المعيار هو المتر [أي المرجع الثابت الذي يُقاس عليه].

مثال المتر والمسطرة لتوضيح أهمية وجود مقياس ثابت موحد

تذهب لتشتري بعض القماش فتجد الرجل عنده هكذا، ما هو؟ قطعة حديدية طولها متر أو قطعة خشبية طولها متر، والمتر مائة سنتيمتر ومعروف ومُقسَّم.

تذهب إلى المكتبة لتشتري شيئًا يُسمى مسطرة، يقول لك الأستاذ في المدرسة أن تُحضر المسطرة لكي تصنع خطًّا مستقيمًا ولكي تقيس بها. والمسطرة هذه متدرجة؛ منها عشرة سنتيمترات، وخمسة عشر سنتيمترًا، وثلاثون سنتيمترًا، وخمسون سنتيمترًا حسب الحال.

تخيل اختلاف المتر بين الناس وما ينتج عنه من فوضى في المعاملات

تخيل أن كل واحد له متر يختلف في طوله عن المتر الآخر! تخيل أن هناك مترًا تسعين سنتيمترًا، وهناك متر مائة وعشرة، وهناك المتر مائة سنتيمتر، وفي المتر خمسون. ما هذه الفوضى؟

وهذا ماذا يفعل؟ أذهب فأقول له أعطني ثلاثة أمتار لكي أصنع بدلة، فيقيس لي بالمقياس الخاص به الذي كان مرة مترًا ونصفًا فلا يكفي للبنطال، ثم كان مرة ثلاثة أمتار وثلاثين [سنتيمترًا]؛ فهو مائة وعشرة للمتر الخاص بالآخر الذي بجانبه.

المشاجرة بسبب اختلاف المقاييس وفقدان المعيار الموحد بين البائع والمشتري

فهذا يعني أنه سيحاسبني على ثلاثين سنتيمترًا زائدة ويقول لي: ما دمت تملك القماش! فأقول له: حسنًا، إذن أنا أريد ثلاثة أمتار ومعي ثمن الثلاثة أمتار وليس ثلاثة أمتار وثلاثة من عشرة. فقال: إن المتر هكذا! فأتشاجر معه ويتشاجر معي.

أين الحقيقة؟ الحقيقة أننا أصبحنا فوضى لأننا فقدنا المعيار. فالمعيار هو الرد إلى الله ورسوله، هو المقياس الذي نرجع إليه.

الرجوع إلى مصلحة الموازين والمقاييس كمثال على ضرورة المرجعية الثابتة

ولذلك أقول له: لا، هذا أنت مُزوِّر! هذا الشيء الخاص بك [أي المتر المغلوط]، تعال، يجب أن يكون هناك مقياس في البلد نرجع إليه لنرى المتر الذي معك هذا مترٌ أم لا.

يوجد شيء يُسمى مصلحة الموازين والمقاييس، مصلحة حكومية موجودة في الحسين [منطقة في القاهرة]. نذهب إليها بهذا الشيء، أقول له: أدركني! ما هذا؟ قُم! هو لديه المقياس [الرسمي]، يقيس ويقول: والله هذا نقص عشرة سنتيمترات يا ولد! ويتحول ليذهب في الحديد [أي يُسجن]، يحبسونه.

الزيادة والنقصان في المقياس سواء في العقوبة والمصيبة نتيجة الخروج عن المعيار

طيب، يحبسون الذي جعل المتر تسعين [سنتيمترًا]، طيب والذي جعله مائة وعشرة يحبسونه أيضًا؛ لأنها هي هي، الزيادة والنقصان سواء.

﴿فَكَيْفَ إِذَآ أَصَـٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء: 62]

بسبب ما قدمت أيديهم. ما الذي قدمته أيديهم؟ إنهم خرجوا عن المعيار والمقياس الذي هو الرد إلى الله ورسوله، خرجوا عنه. والخروج عنه يحدث معه ماذا؟ مصيبة.

ما سبب هذه المصيبة؟ سببها ما قدمته أيدي هؤلاء الرافضين للرجوع إلى الله ورسوله.

حلف المنافقين بالله بعد وقوع المصيبة وادعاؤهم إرادة الإحسان والتوفيق

حسنًا، عندما تأتي لتحقق معهم فتقول: تعالوا يا جماعة، لماذا تفعلون هكذا؟ لماذا تخرجون عن ردِّ الأمر إلى الله والرسول؟ فيقول [الله تعالى]:

﴿ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: 62]

بعدما تحصل المصيبة جاءوك يحلفون بالله: والله ما كنا قاصدين أن نصل إلى هذا الحد من الفساد، إلى هذا الحد من الاضطراب، إلى هذا الحد من عدم الاستقرار، إلى هذا الحد من فُشُوِّ الكذب في المجتمع، إلى هذا الحد من التخلف والتأخر.

إنما أردنا أن نُحسن، فهوانا غلب علينا، وظننا أن هذا هو الذي سيوصلنا إلى الخير وإلى الأمن وإلى الاستقرار.

صعوبة تفهيم من لا يفهم وتنبيه الله إلى أن الفساد نتيجة مخالفة منهجه

حسنًا، وهؤلاء كيف تُفهِّمهم؟ ما هو كان يُقال لسيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه]: ما أصعب شيء عليك يا صاحب الفضيلة؟ الإمام يقول: تفهيم من لا يفهم. فماذا سنفعل؟ كيف سنُفهِّمهم؟ تفهيم من لا يفهم! تجلس تُعلِّم البليد طوال الليل وأيضًا يُصبح ناسيًا.

فالأمر هنا أنهم يُنبِّهون [أي أن] الله سبحانه وتعالى [يُنبِّه] إلى أن الأمر منا وبأيدينا، وأنه بعد أن يحدث الفساد الناتج عن مخالفة كلام الله سبحانه وتعالى، نُرشد الناس إليه ونقول لهم: هذا لأنكم خرجتم عن الرد إلى الله والرسول.

النتيجة الحتمية للخروج عن منهج الله وسننه في خلقه

﴿ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ﴾ [النساء: 62]

طيب، والله العظيم ما قصدنا! طيب، ما هو نعم، ما نحن نعلم أنكم ما قصدتم، ولكن هذه نتيجة حتمية للخروج عن منهج من خلق الأكوان. نتيجة حتمية للخروج عن [أي] تحطيم المقياس والمعيار. نتيجة حتمية من سنن الله في خلقه.

﴿إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَـٰنًا وَتَوْفِيقًا﴾ [النساء: 62]

انظر إلى الكلمة: إحسانًا، شيء جميل جدًّا، حُسن. وتوفيقًا من التوفيق. هذا التوفيق من ربنا، وهل التوفيق منكم؟ [بل هو من الله وحده].

وجوب الرجوع إلى الله والفرار إليه وعاقبة الإصرار على مخالفة منهجه

ولذلك يجب علينا أن نرجع إلى الله وأن نفر إلى الله، ولا ملجأ منه إلا إليه. وما دمنا نتجاهل ولا نفهم الرجوع إلى الله، ويُصِرُّ كثير منا على أن حوله وقوته بإزاء قوة الله وحوله؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.

فقد أُصِبنا بمصيبة من بني جلدتنا [أي من أبناء أمتنا أنفسهم].

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.