سورة النساء | حـ 701 | 69 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 701 | 69 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • أمر الله المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله في قوله: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم".
  • كرر الله لفظ "أطيعوا" مع اسمه ومع الرسول، ولم يكررها مع أولي الأمر، مما يدل على أن طاعة أولي الأمر من العلماء والحكام تابعة لطاعة الله ورسوله وليست مستقلة.
  • الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو التخيير، وتُعرف أحكام الله من خلال أدلة أربعة: القرآن والسنة والإجماع والقياس.
  • السنة النبوية حجة شرعية تترجم عن حكم الله، والرسول صلى الله عليه وسلم معصوم لا ينطق عن الهوى.
  • من يطع الله والرسول يكون مع الذين أنعم الله عليهم، وبذلك تتحقق الاستجابة لدعاء "اهدنا الصراط المستقيم" الذي يكرره المسلم في صلاته.
  • شرط استجابة الدعاء الدخول في دائرة طاعة الله وطاعة رسوله.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

افتتاح الدرس بآية طاعة الله والرسول من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُولَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّـٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: 69]

وهنا يعيد [الله سبحانه وتعالى] مرة أخرى الأمر والتوجيه لأن يطيع المسلم الله، ولأن يطيع الرسول صلى الله عليه وسلم.

الفرق بين تكرار الطاعة لله والرسول وعدم تكرارها لأولي الأمر

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ وَأُولِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]

ونلحظ أنه لما أمر [الله تعالى] في المرة الأولى بطاعة الله وطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر، فإنه كرر الطاعة قبل الله ورسوله، ولم يذكرها مع أولي الأمر.

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ﴾ [النساء: 59]

ولكن:

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا وَٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [الحشر: 7]

ولكن طاعة أولي الأمر من العلماء والحكام تكون تبعًا لطاعة الله وطاعة الرسول، وليست بأهوائهم ولا باستقلالهم، وإنما من خلال طاعة الله وطاعة الرسول.

طاعة الله من القرآن وطاعة الرسول من السنة وموقع السنة من القرآن

فإذن طاعة الله نأخذها من امتثالنا لأوامر القرآن الكريم، وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم نأخذها من امتثالنا لسنته المروية عنه، والتي حفظها الله سبحانه وتعالى فيما حفظ لنا من الذكر.

إذن فما موقع السنة من القرآن؟ موقع السنة من القرآن [يتضح] عندما عرّف الأصوليون حكم الله، قالوا: الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو التخيير؛ لا [أي إما] يطلب منك شيئًا: افعل أو لا تفعل، جزمًا أو غير جازم، أو يخيّرك التي هي الإباحة.

خمسة أحكام: حرام، واجب، مكروه، مندوب، مباح.

لماذا قال الأصوليون خطاب الله ولم يقولوا خطاب الله والرسول في تعريف الحكم الشرعي

الطلاب يسألون عن التعريف [تعريف الحكم الشرعي] مرة أخرى، يقولونه لي هكذا، يقول لك: الحكم الشرعي هو ماذا؟ خطاب الله. خطاب الله، قال الله.

إذن أين الرسول؟ لماذا لم تقل خطاب الله والرسول؟ قال: لأن خطاب الله هو الحكم، لكنه مدلول عليه بآية من كلام الله الذي هو القرآن، بسنة رسول الله التي هي الأحاديث، بالإجماع الخاص بالأمة المعصومة عن الخطأ الذي هو الإجماع، بقياس المجتهدين الكاشف لحكم الله سبحانه وتعالى الذي هو القياس.

التي هي الأدلة الشرعية المرعية التي تدل وتوصل إلى خطاب الله.

خطاب الله واحد تدل عليه أربعة أدلة شرعية القرآن والسنة والإجماع والقياس

فلا نقول خطاب الله ورسوله، لا، خطاب الله هو واحد يترجم عنه ويظهره ويكشفه ويدل عليه:

  1. القرآن
  2. السنة
  3. الإجماع
  4. القياس

فيبقى إذن يجب علينا أن نفهم أن الحكم إلا لله، لم يقل [سبحانه] إلا لله ورسوله. فهذا سيدنا رسول الله مبيّن ومفصّل وموضّح وشارح، وليس له الحكم استقلالًا صلى الله عليه وآله وسلم.

إنما حكمه هو يترجم عن حكم الله سبحانه وتعالى؛ لأنه معصوم لا يخطئ، لأنه يوحى إليه، لأنه أقامه الله نبيًا ورسولًا، وجعله سيدًا للمرسلين والنبيين وخاتمًا لهم.

دلالة عدم تكرار الطاعة في الآية على أن الرسول ينطق عن الله لا عن هواه

يبقى إذا الخطاب هو خطاب الله والحكم هو لله. نريد أن نشير إلى هذا [المعنى]، هناك يقول [الله تعالى]:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَطِيعُوا ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا ٱلرَّسُولَ﴾ [النساء: 59]

حتى تعلموا أن رسول الله في سنته حجة، وأن هذه الحجة قد أجمعت عليها الأمة، هي تترجم عن الله سبحانه وتعالى. أما ولي الأمر من حاكم أو عالم فلا بد أن يتقيد بهما [بطاعة الله وطاعة الرسول].

حسنًا، والمعنى الذي قلناه الآن هو أن الأمر بيد الله عز وجل. ربنا يقول:

﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ [النساء: 69]

ولم يقل: ومن يطع الله ويطع الرسول، ولم يكرر [الطاعة]؛ حتى يظهر لك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ينطق عن الله سبحانه وتعالى، لا عن هوى نفسه حاشاه صلى الله عليه وسلم.

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ [النجم: 3-5]

نعم، هذا أحد يعلمه شديد القوى [جبريل عليه السلام]. فيكون [كلامه صلى الله عليه وسلم] ليس من نفسه، وإنما هو مبلّغ [عن الله تعالى].

جزاء طاعة الله والرسول واستجابة دعاء الفاتحة بالهداية إلى صراط المنعم عليهم

﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ﴾ [النساء: 69]

فما الجزاء الخاص بهم؟

﴿فَأُولَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ [النساء: 69]

وهذا معناه أن الله قد استجاب دعاءك [الذي تدعو به في سورة الفاتحة]:

﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]

التي تدعو بها في الفاتحة في كل ركعة من ركعات صلاتك. صراط الذين أنعمت عليهم، تدعو هكذا وكل ركعة تدعو فيها، كل ركعة تدعو فيها، فأنت تلحّ في الدعاء.

متى يستجيب الله لك؟ إذا ما أقمت نفسك في طاعة الله وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

﴿فَأُولَـٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم﴾ [النساء: 69]

إذن استجاب دعاءك.

شرط استجابة الدعاء دخول دائرة طاعة الله وطاعة الرسول والختام

إذن شرط استجابة الدعاء أن تدخل دائرة طاعة الله وطاعة الرسول، وإلا فأمرك موكول إلى الله؛ قد يستجيب لك من رحمته وواسع فضله واطلاعه على سريرتك، وقد لا يستجيب لك من أمر يعرفه فيك.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.