سورة النساء | حـ 704 | 72 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية تبين نفسية المتخاذل الذي يتباطأ عن النفير في سبيل الله ولا يرفض صراحة لجبنه.
- •المتخاذل يختلق الأعذار ويتأخر حتى يفوته الخروج مع الجيش.
- •عند سماعه بمصيبة أصابت المجاهدين يقول: "قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا".
- •هذه النفسية الجبانة متعلقة بالدنيا، ولم تخرج الدنيا من قلبها بل صارت همها الأكبر.
- •مشكلة هذا الإنسان أنه يرى ظاهر الأمور فقط ولا يفهم حقائقها.
- •يعد حرمانه من الجهاد والشهادة نعمة، بينما هي في الحقيقة نقمة.
- •هذا الشخص منقطع عن الإيمان بالآخرة، ولا يدرك حقيقة التكليف.
- •المؤمن الصادق يحزن لمصائب إخوانه ولا يفرح بنجاته وحده.
- •العلاج يكون بالتربية وكثرة ذكر الله وفهم حقيقة الدنيا والآخرة.
- •يجب الحذر من هذه النفسية وعدم الغفلة عن واجب نصرة المسلمين.
مقدمة وتلاوة آية التبطئة من سورة النساء وبيان معنى النفير
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72]
فيه بعضكم لا يرضى أن ينفر في سبيل الله. هكذا يأخذ بعضه [أي يجمع متاعه] ويجري، "فانفروا" هذه معناها أن الواحد يأخذ بعضه هكذا ويجري.
﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]
في سرعة وفي تلبية [لأمر الله].
وصف نفسية المتباطئ الذي يتهرب من النفير في سبيل الله
أما الآخر [المتباطئ] يريد أن يدخل الحمام، وبعد أن ينتهي من الحمام هناك أوراقًا متراكمة يريد أن ينهيها.
﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72]
ويظل ينسحب، هو لا يرفض؛ لأنه ليس فارسًا نبيلًا، لديه جبن وخوف، فحتى المواجهة لا يستطيع أن يقول: أنا لن أخرج معكم. حتى هذا لا يستطيع، لا يقدر على هذا، وإنما هو يتباطأ حتى يسير الجيش؛ لأنه [الجيش] لن ننتظره بعد الآن.
فرح المتباطئ بنجاته من المصيبة وحقيقة خسرانه عند الله
﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ
⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 73]
سمع الخبر في المذياع:
﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: 72]
الحمد لله! ربنا سلّم! ربنا سيدخله جهنم، ما سلم ولا شيء! سلم في الظاهر، [أما] في عقيدته، في تصوره، هو في الحقيقة [خاسر]. فهذا لم يُطع الله ولم يُطع الرسول، ولم يفرّ إلى الله سبحانه وتعالى، ولم ينفر.
﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: 72]
الآية تكشف نفسية الجبن وحب الدنيا وضرورة التربية الإيمانية
إذن هذه الآية تدلنا على نفسية معينة، هي نفسية الجبن، نفسية دخلت الدنيا في قلبها ولم تخرج، ولم تكن [الدنيا] في يدها، نفسية ضعيفة.
فيجب أن يأمرنا الله ألا نكون مثل هذه النفسية. وهذا يحتاج إلى تربية، يحتاج إلى كثرة ذكر الله، يحتاج إلى تصور حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة؛ حتى تكون الدنيا ليست هي أكبر همنا ولا مبلغ علمنا. هذه واحدة [من الدلالات].
المتباطئ يرى الأمور على ظاهرها ولا يدرك حقائقها الشرعية
الثانية: هذه [الآية] تتحدث عن إنسان لا يعلم حقائق الأمور وإنما يعلم ظاهرها، ولذلك فإن تقويمه منصبّ على الظاهر وليس على الحقائق.
يعتقد أن نجاته من مصيبة قد لحقت بقومه أن هذا من نعم الله! قوم [يقولون]: المسألة أن هذا من نعم الله. نعم الله في ماذا؟
لقد حرمك من الشهادة، أو حرمك من الجهاد، أو حرمك من معاونة إخوانك عند نزول المصاب، أو حرمك من الشعور بالحزن على المصاب واشتغالك بنفسك. ما النعمة في هذا؟
حرمان المتباطئ من الجهاد والمشاركة نقمة وليست نعمة
هذه كلها نِقَم: حرمانك من الجهاد نقمة، وحرمانك من المشاركة في المصائب نقمة، وعدم حزنك عليها وعلى قومك نقمة، وعدم انتمائك إليهم نقمة، وأنانيتك وأنك لم ترَ إلا نفسك نقمة وليست نعمة.
فما الخلل عند هذا الإنسان؟ أنه يرى الأمور على غير حقائقها.
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
لا يستطيع أن يصل ما بين الدنيا والآخرة؛ لأنه منقطع عن الإيمان بالآخرة، ليس [الإيمان بالآخرة] في ذهنه.
قصة الرجل الصالح الذي استغفر ثلاثين سنة من قوله الحمد لله
فهو يعبّر عن: الحمد لله أنّي لم أكن معهم.
﴿قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: 72]
الحمد لله! إذن هذا يعيش في روحه [هذا الشعور]. هذا لا يدرك أن هناك يومًا آخر، لا يدرك أنه يوجد تكليف، هو لا يدرك أن هناك شرعًا، لا يدرك أن هناك مصيبة حدثت.
بعض أهل الله يقول: استغفرت الله ثلاثين سنة من قولي الحمد لله. يعني الرجل مرة أخطأ وقال: الحمد لله.
فما بال الحمد لله؟ هل فيها شيء الحمد لله؟ ما هو طبعًا الحمد لله، يبقى لازم أستغفر ربنا على شيء آخر.
تفصيل قصة احتراق السوق واستغفاره لنسيان مصيبة إخوانه
ما هو؟ قالوا له: كيف؟ أنت تقول الحمد لله وبعدين تقول استغفرت ربنا أن أنا قلت الحمد لله؟ قال: طبعًا، احترق السوق، فقالوا لي: احترق السوق. هذا السوق فيه دكاني، ففزعت! فقالوا: إلا دكانك، لم يحترق. فقلت: الحمد لله.
ونسيت مصيبة إخواني! فأنا أستغفر ربنا على أنني نسيت مصيبة إخواني.
ما هذا! منتبه لنفسه، هذا حذِر من شيطانه.
﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71]
هذا واعٍ، هذا ليس غافلًا.
الفرق بين حمد الله على نجاة المال ونسيان مصيبة الآخرين
هذا [الرجل الصالح] لما قال الحمد لله وإن كان لها وجه أن الله قد نجّى ملكه، لكنه يستغفر لا لقوله الحمد لله في ذاتها، وإنما لارتباطها بنسيان مصيبة الآخرين. إذ:
﴿وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَـٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: 72]
﴿وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73]
وهذه في لقاء آخر إن شاء الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
