سورة النساء | حـ 705 | 72-73 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 705 | 72-73 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يتحدث النص عن آية في سورة النساء تصف من اتخذ إلهه هواه، فهو لا يرى إلا نفسه ولا يعلم من الدنيا إلا ظاهرها.
  • هذا الشخص يفرح عندما تصيب المصيبة غيره قائلاً "أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً".
  • لكنه إذا أصاب الآخرين فضل من الله يتحسر ويقول "يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزاً عظيماً".
  • يشبه القرآن هذه الحالة بمن بينهم مودة وعشرة (خبز وملح) ثم يختزل أحدهم علاقته مع الآخر في المنفعة فقط.
  • تعبير "يا ليتني" يدل على التحسر على ما فاته من الدنيا، وليس على ما فاته من الآخرة.
  • كلمة "ليت" تستعمل لطلب المستحيل، مما يوضح شدة حسرته على الدنيا.
  • استعظامه للقليل من الدنيا يكشف جهله بحقيقة الآخرة وأن الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة.
  • انتشرت هذه النفسية في العصر الحالي بسبب إهمال القرآن وتعاليمه.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في وصف من لا يرى إلا نفسه ولا يعلم إلا ظاهر الحياة الدنيا

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن ذلك الذي لا يرى إلا نفسه، ولا يعلم من الحياة الدنيا إلا ظاهرها، وقلبه غافل عن ذكر الله، وقلبه غافل عن اليوم الآخر وعن حقائق الأشياء عند الله.

لا ينظر إلا بمنظاره، ولا يرى الدنيا إلا من خلال رأيه.

﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]

﴿أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]

موقف المنافق من المصيبة والفضل وتحوّل مشاعره بحسب المنفعة

فإنه [هذا الذي اتخذ إلهه هواه] بعد ما قال عندما أصابت قومه المصيبة:

﴿قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: 72]

قال:

﴿وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73]

وهذه هي النظرية التي حوّلها الناس في حكمتهم اليومية وفي حياتهم بالخبز والملح؛ يقولون لك: يا أخي، هذا نحن آكلون مع بعضنا البعض خبزًا وملحًا.

معنى الخبز والملح والمودة وكيف يخون الإنسان العشرة من أجل المنفعة

والخبز والملح هذا معناه العشرة التي عبّر بها هنا القرآن: المودة. هذه بيننا وبين بعضنا البعض مودة، وبيننا وبين بعضنا البعض عيش وملح.

فكيف يخون أحدنا الآخر؟ وكيف يختزل أحدنا علاقته مع الآخر في المنفعة والمصلحة [فقط]؟

﴿وَلَئِنْ أَصَـٰبَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ﴾ [النساء: 73]

ليقولنّ: اللام تفيد شيئًا من التأكيد، والنون تفيد التأكيد [أيضًا]، وكأن الله يقول إن ذلك مستقر في نفسه استقرارًا شديدًا؛ فمن المؤكد أنه سيقول ذلك، لا يمكن ألا يقول [ذلك]، تحدّثه نفسه بهذا يقينًا.

معنى كأن لم تكن بينكم مودة وعلاقة العيش والملح والعشرة

لا يقولنّ:

﴿كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ [النساء: 73]

عيش وملح، عشرة، يعني أخذ وعطاء. ما دام عائشًا في وسطنا فلا بد أيضًا أن نذهب نعزّيه فيما يستوجب العزاء، ونبارك له فيما يستوجب التهنئة، عائش معنا [في المجتمع].

دلالة كلمة ليت على طلب المستحيل والتحسر على ما فات من الدنيا

﴿يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء: 73]

ويا ليتني! ليت يقول لك [أهل اللغة]: هي لـطلب المستحيل. ليت تفيد طلب المستحيل؛ المعركة انتهت، والفضل جاء ووُزِّع على الحاضرين وانتهى الأمر، استرجاع الماضي في المستقبل محال، ولذلك عبّر بـ"يا ليت".

طيب، ليت لمّا تُستعمل فيما هو مستحيل الحدوث، ماذا تعني في نفس الإنسان؟ [تعني] التحسّر؛ لأنه يعرف أنه من المستحيل أن يحدث، أنه "يا ليت" هذا صادر منه وهو متحسّر.

سبحان الله! تحسّر على ما فاته من الدنيا ولم يتحسّر على ما فاته من الآخرة.

المفارقة بين التحسر على المصاب والتحسر على فوات الغنيمة والدنيا

انظر كيف، يعني هو هناك [في حالة المصيبة قال]:

﴿قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: 72]

في حالة المصاب فاته التحسّر على ما فاته من خير [الجهاد والشهادة]، وهنا يتحسّر على دنيا؛ بعض الفضل، بعض الأموال، بعض الغنيمة ضاعت منهم فيتحسّر عليها.

والحسرة تجلب ماذا؟ لا شيء! هنا للتحسّر [فقط]. "يا ليتني"، ليت هذه دائمًا تجعل لديك [إحساسًا] أنه شعر بالتحسّر.

بيت الشعر ليت الشباب يعود يوما ودلالته على التحسر والعجز

إلا ليت الشباب يعود يومًا فأخبره بما فعل المشيب.

طيب، الشباب سيعود؟ لا شيء [لن يعود]، غير راضٍ أن يعود [أي مستحيل عودته].

طيب، وهذا المشيب ماذا فعل به؟ جعل وهو قائم يحملوه بدلًا مما كان يعني في فتوّة هكذا وسرعة وما إلى ذلك؛ مفاصله تعبت، رقبته انحنت، وهكذا كل حين هو يشيب ويعجز.

يحسّ بوهنٍ:

﴿وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]

انظر، وهن العظم يعني القوة التي كانت بداخله والعظم الذي كان صلبًا ويحمله ابتدأ في الضعف.

إذ وهو يتحسّر على هذا الشباب وعلى فعل المشيب فيه، هو يتحسّر وتشعر بهذا، بهذه الحسرة من كلمة ليت.

دلالة قوله كنت معهم لا معكم على أنه يكلم نفسه متحسرًا لا يخاطبهم

﴿يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ﴾ [النساء: 73]

وهنا معناها أنه لا يخاطبهم، لا يقول لهم: يا ليتني كنت معكم. ما هو لو قال لهم: يا ليتني كنت معكم، لكان إذا كان يخاطبهم فهم يكشفون حالته، وهو صاحب الاختباء وصاحب الكلام [من وراء الستار]؛ لأنه انسحب منهم.

فلا يقول لهم: يا ليتني كنت معكم برجولة هكذا وشهامة وفروسية، لا! بل يقول: كنت معهم، يكلّم نفسه، أي يكلّم نفسه، أي ما معناه متحسّر أيّما حسرة؛ حتى لا يعرف كيف يقول للناس، فيهذي بنفسه من الداخل: يا ليتني كنت معهم.

استعظامه للقليل من الدنيا ودلالة ذلك على اختلال الميزان وغياب الإيمان بالآخرة

طيب، فأفوز؟ لا!

﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73]

يعني هو فتح عينيه هكذا وفتح فمه دهشةً على ما فات! استعظم ذلك القليل عند الله؛ فإن الدنيا وما فيها لا تساوي عند الله جناح بعوضة. فالقليل من المال الذي ضاع منه، أو الغنيمة التي كانت ستصيبه، استعظمها.

وهذا يدل على أنه لا يعرف الحقائق، وعلى أنه يتعامل من غير إيمان بالآخرة، من غير سماع لتكليف الله لنا، من غير معرفة وربط ما بين الدنيا التي يعيشها والآخرة؛ فاختلّ الميزان في يده فأعطى أحكامًا مختلفة.

انتشار النفسية المختلة في عصرنا بسبب هجر القرآن والغفلة عن أوامر الله

هذه النفسية التي تعطي الأحكام المختلفة انتشرت في عصرنا هذا.

لماذا؟ لأنهم لا يرون إلا أنفسهم، ولا يرون ما أمر به الله، وجعلوا القرآن خلف ظهورهم؛ لا يقرءونه أبدًا، وإذا قرءوه لم يبقَ منه فيهم إلا رسمه [دون تدبّر ولا عمل].

فإنا لله وإنا إليه راجعون.

اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولّنا فيمن تولّيت. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.