سورة النساء | حـ 709 | 76 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يميز القرآن الكريم بين فريقين: المؤمنون الذين يقاتلون في سبيل الله، والكافرون الذين يقاتلون في سبيل الطاغوت.
- •لا بد للبشرية أن تتفق على نصرة الخير ومحاربة الشر، والمسلم يعتقد أن الخير ما أرشد الله إليه والشر ما نهى عنه.
- •دعوة الإسلام الأساسية هي التوحيد: ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً.
- •الإسلام أمر بالزواج والعفة ونهى عن الفواحش والشذوذ، وما يُدعى اليوم بالحرية هو تفلت ومخالفة للفطرة.
- •المسلمون لم يحتلوا البلدان للاستعمار أو نهب خيراتها، بل انتشر الإسلام بالدعوة والمحبة.
- •التاريخ الإسلامي نظيف خال من جرائم الإبادة والتهجير والاستعمار ومحاكم التفتيش.
- •شهد التاريخ الإسلامي ظواهر فريدة كالمماليك، حيث أصبح العبيد حكاماً، وهو ما لم يحدث في أي حضارة أخرى.
- •العقيدة الإسلامية عالية تحتاج إليها البشرية جمعاء.
افتتاح الدرس بتلاوة آية القتال في سبيل الله من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ فَقَـٰتِلُوٓا أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]
إذن فلا بد على المسلمين وغير المسلمين عليهم أن يفقهوا كلمة «في سبيل الله»، وأن يفقهوا كلمة «في سبيل الطاغوت»، وأن يعلموا أن المسلمين جعلوا الشر محاربًا، وأنهم حاربوا الشر، وإنهم نصروا الخير.
اتفاق البشرية على نصرة الخير ومحاربة الشر ضرورة مشتركة
وأن نصرة الخير لا بد أن تكون من المتفق عليه بين البشرية من المسلمين وغير المسلمين، وأن حرب الشر لا بد أن يكون متفقًا عليه بين البشرية من المسلمين وغير المسلمين.
والحاصل الآن هو: ما الخير وما الشر؟ وليس حرب الخير أنها مذمومة وحرب الشر أنها ممدوحة؛ فلا بد على البشرية أن تؤمن بأن حرب الخير مذمومة وبأن حرب الشر ممدوحة.
تعريف الخير والشر عند المسلم وضرورة الإيمان بالله معيارًا للاتفاق
ولكن ما الخير والشر؟ فالمسلم يقول: الخير ما أرشدنا الله أنه خير، والشر هو ما أرشدنا الله إليه أنه شر.
إذن فلا بد من الله [أي من الرجوع إلى شرعه]، ولا بد من الإيمان به؛ وإذا اختلفنا في الإيمان بالله فلن نتفق. لا بد أن يكون ذلك [القتال والجهاد] في سبيل الله.
﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 76]
يبقى لا بد من وجود الله ولا بد من وجود الله في منظومتنا [منظومتنا الفكرية والحضارية].
دعوة المسلمين للعالمين إلى كلمة سواء وعبادة الله وحده
وهذه هي دعوتنا للعالمين:
﴿تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَآءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْـًٔا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 64]
هذه هي الدعوة الأساسية؛ لا بد لنا من معيار ومقياس نرجع إليه.
أمر الله بالعفة والزواج ورفض دعوات إباحة الفواحش والشذوذ
فالله سبحانه وتعالى أمرنا بالزواج وبالعفة، ونهانا عن الزنا والخلاء والفاحشة والشذوذ. فلمّا تعلو بعض الأصوات تحت أي دعوة لإباحة هذا البلاء، هذا كلام مخالف لكل دين نزل، ولكل رسالة أُرسلت، ولكل كتاب أراده الله سبحانه وتعالى.
ولكن هذا حال ما نحن فيه الآن: دعوة إلى التفلت تحت اسم الحرية وهي ليست حرية؛ فالحرية فيها التزام ومسؤولية، هذا تفلّت. دعوة إلى الكفر وإلى مخالفة الفطرة بدعوة الحرية وهي ليست حرية، هذا شذوذ وانحراف عن الفطرة السوية والحالة المرضية لله رب العالمين.
ضعف كيد الشيطان وبطلان الدعاوى الباطلة مهما تكاثرت
﴿فَقَـٰتِلُوٓا أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَـٰنِ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَـٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]
إذن فلا يهمنا تكاثر الدعاوى، ولكن علينا أن نفهم أنها دعاوى باطلة، وأنها دعاوى شاذة، وأنها ضعيفة لأنها من كيد الشيطان.
﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّـٰغُوتِ﴾ [النساء: 76]
كل ما سوى الله من المصالح ومن العدوان ومن الطغيان ومن احتلال البلاد للاستعمار والشهوات [فهو قتال في سبيل الطاغوت].
المسلمون لم يستعمروا البلاد بل نشروا الدعوة بالمحبة والعائلة
ولكن المسلمين دائمًا لم يحتلوا بلدانًا ولم يستعمروها، ولم ينقلوا خيراتها إلى الحجاز، بل تركوا خيرات كل بلد فيما هي فيه.
وانتشرت الدعوة عن طريق العائلة، وعن طريق المحبة، وعن طريق الدعوة. لم تنتشر لا بإكراه، ولم تنتشر بفساد، ولم تنتشر بتهجير، ولا بإبادة شعوب، ولا بغير ذلك. ثقافتنا هكذا.
فلا بد علينا أن نعلن هذا وأن نعلو به، أن نعلن هذا وأن نرفع رؤوسنا؛ لأن تاريخنا نظيف وتاريخنا طيب وتاريخنا جميل، خالٍ من كل جريمة ضد الإنسانية.
نظافة تاريخ المسلمين من الاستعمار والإبادة واستغلال الرق
لا استعمار، لا محاكم تفتيش، لا إبادة شعوب، لا تهجير للسكان الأصليين، ولا استغلال للرق أبدًا.
الرق في تاريخنا آية من آيات الله؛ لم يحدث في أمة كانت أن جعلت عبيدها حكامها إلا نحن [المسلمون]. لم يحدث أبدًا، لم يجعل أحدٌ أبدًا عبيده حكامه إلا المسلمون.
فمن هم المماليك؟ فقد كان في فترة المماليك، والمماليك هؤلاء من هم؟ عبيدنا. إذن العبد يصبح الحاكم الذي يمسك بزمام الدولة ويمسك بالجيش ويمسك بزمام كل شيء، فيصبح هو الحاكم.
تفرد المسلمين بجعل العبيد حكامًا والدفاع عن تاريخهم النظيف
هل رأيت أحدًا فعل ذلك [جعل العبيد حكامًا] في الشرق أو في الغرب، في أي ملة ودين، في أي نظام سياسي عبر التاريخ؟ هؤلاء هم المسلمون الذين يذبحونهم بالسكاكين الآن ويذبحون تاريخهم.
[تاريخ المسلمين] نظيف وكلامهم أنظف، وعقيدتهم عالية تحتاج إليها البشرية.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
